رحل المفكر وأستاذ المادة السوسيولوجية في كلية العلوم (الجامعة اللبنانية) في السبعينات الدكتور صادر يونس.

تاريخ طويل متعدد النضالات، يجتمع في منحىً علماني - يساري (مستقبل)، سواء كان في رابطة الأساتذة في العلوم، ومن ثمّ كرئيس لرابطة الأساتذة الجامعيين. مدرّساً، ألمعياً، مثقفاً (خرّيج السوربون)، وتقدمياً، ومتجدداً في مقاربة مادته، ومناضلاً عنيداً ضمن الإطار النقابي التربوي والتعليمي، من أجل إنماء الجامعة اللبنانية، ورفع مستواها، وإكمال هيكلها باستحداث كليات تطبيقية، (كالزراعة والهندسة والطب، والصيدلة)، بعدما كانت الجامعة مقتصرة على الكليات النظرية (الحقوق، الآداب، الفلسفة، التربوية...).

ابن نابيه (المتن الشمالي) عاش في الحمراء طيلة الحروب؛ وكان بين حفنة من المثقفين يتمسّكون بالمجتمع المدني ويقاومون الموجات الطائفية التي قادتها الميليشيات في كل لبنان.

عشنا معاً والدكتور البشوش، المنفتح في شوارع الحمراء المكتظة بالمسلحين نهاراً، والغارقة في الظلمة وشذاذ الآفاق ليلاً. كنا معاً، (شعراء وكتاباً وفنانين ومفكرين - بأعداد قليلة)، نكافح، كلّ من موقعه الوطني والسياسي، من أجل الحفاظ على ما تبقى من ديموقراطية وحياة مدنية، في مواجهة الميليشيات، وقوى الوصايات، وصولاً إلى غزوة إسرائيل لبنان عام 1982.

شجاعاً بصمت، عنيداً بعقلانية، هادئاً بغضب، محللاً معتدلاً، لبنانياً تغييراً، سيادياً جاهراً، تحرك بين رتل ممّن يلتقونه عموماً، في تلك المسيرة الوعرة، وفي ذلك الزمن القاتل.

انتمى إلى الأفكار أكثر من انتمائه إلى الأحزاب. من الأوائل الذين تحرروا من بيئاتهم وعائلاتهم، مختاراً حرية التفكير، وتعددية المجتمع، وتقدمية البلاد.

وعندما كنا نجتمع في ما تبقى من مقاهٍ في شارع الحمراء، ونصغي إليه (وأنا كنت طالباً في كلية التربية عندما كان أستاذاً في كلية العلوم)، بانتباه، محاولاً تفتيح عيوننا على دور السوسيولوجيا الحديثة المستجدة في فهم مكونات البلاد، وبيئاته، وأحزابه، ونقاباته، كل ذلك، وكأنّه كان يخاطب أصدقاء، وزملاء، خصوصاً أن صادر يونس شارك بقوّة في التحركات الطالبية في السبعينات لتطوير الجامعة اللبنانية، وتوفير مختبرات لها، وإكمال فروعها ومطالبها. ولم ينجُ، مثلنا أحياناً، من قمع قوى الأمن وخراطيم المياه، وقنابل الغاز، والكرابيج وأعقاب البنادق.

إنه الجنتلمان - المناضل.

وعندما انتهت حروب الآخرين على لبنان أكمل دوره النقابي، من مؤسس معهد العلوم الاجتماعية، ورابطة المتفرغين في الجامعة إلى أبرز مؤسّسي صندوق التعاضد وهيئة التنسيق النقابية.. وبعدما تقاعد، لم تغادره تلك اللوثة النضالية، على الصعيد الوطني، فشارك في ندوات حول النظام اللبناني، وتداعيات الحرب، وأسباب التهاوي، مبدياً مساهمات فكرية، عقلانية، سوسيولوجية، حول ضرورة العودة إلى الديموقراطية غير المشروطة، لتجاوز الوضع المذهبي والطائفي، والتقسيمات الجغرافية، والمناطقية.

إنه الرجل الذي بقي دون تغيير في زمن انخرط فيها اليسار بحرب مذهبية ممذهبة سحقته، وبقي تقدمياً مستقلاً، بعدما وجدَ أنّ معظم الأحزاب التي شاركت في الحرب، أصيبت بأعطاب.

ملتزم بحرية فكره، قبل أن يلتزم انتماء مقنناً، ومن هذا الالتزام الحر، المفتوح، كأنما بوادر لحركات تغييرية، أكثر التصاقاً بالحياة والواقع، وأقل ارتماء في النظريات التوتاليتارية الجاهزة.

خسرناك يا صديقي الأعز. بات يعزّ علينا حضورك في المقهى، كبركة يومية، ووجه مشرق... وقلب كبير، وفكر بلا قيود ولا محرمات، وتقنين.. وبتواضع الكبار الذين يعرفون كيف يدخلون إلى الأفكار والصداقات والحوارات.. بشفافية، وقرب، وودّ، وسخرية طيّبة، لطالما ارتسمت في عينيه.

كلام الصور

الدكتور صادر يونس