فاقت تكلفة عدم الاستقرار في الدول العربية خسائر الأزمة المالية العالمية بالمنطقة، مع تضمنها مخاطر أكبر وأفدح، وتتمثل هذه التكاليف في: تعطل الأنشطة الإنتاجية والخدمية، وتدهور البنيات الأساسية، والنزوح، وتفاقم حدة الفقر والبطالة، وتراجع الإيرادات المالية الحكومية، وارتفاع العجز المالي ومستويات المديونية الحكومية.

ووفقا لتقرير أصدره صندوق النقد العربي، فإن الظروف السياسية التي تعيشها المنطقة وما ترتب عنها من أوضاع اقتصادية غير مستقرة كان لها تكاليف اقتصادية ومالية كبيرة، قد تكون أكبر بكثير ومتضمنة لمخاطر أفدح، مقارنة بتلك التكاليف التي نتجت جراء الأزمة المالية العالمية.

وأوضح التقرير أن التداعيات الاجتماعيات والسياسية المترتبة عن التطورات السياسية الحديثة دفعت بشكل مباشر إلى تعطيل وإبطاء وتيرة الإصلاح الاقتصادي والمالي في عدد من الدول العربية، لأن الحكومات في هذه الدول كرست جهودها لتلبية المطالب الشعبية والفئوية الملحة والمتنامية، مع تأجيل بعض من برامج الإصلاح لحين تحقق ظروف سياسية واقتصادية مواتية لتطبيقها.

وتابع التقرير: "تواجه الدول العربية في الوقت الراهن مخاطر كبيرة نتجت عن حالة الاضطراب التي نجمت عن التحولات السياسية الحديثة، وما خلفته هذه الظروف من ضبابية في الرؤية وعدم تيقن من جانب المستثمرين، ما انعكس سلبا على الأداء الاقتصادي والمالي لهذه الدول وامتد ليشمل المنطقة العربية بأسرها على ضوء الترابط الاقتصادي والاجتماعي والثقافي لدول المنطقة".

وأشار التقرير إلى أنه رغم النمو الاقتصادي المحقق على مدار عدة سنوات، إلا أن معدل البطالة في الدول العربية يظل مرتفعا مقارنة بالأقاليم الجغرافية الأخرى، هذا إلى جانب أن معدلات البطالة بين الشباب تبقى عالية هي الأخرى وتمثل التحدي الأكبر الذي يواجه الحكومات العربية، ما يضع هدف تخفيض معدلات البطالة خصوصا بين الشباب في موقع متقدم على لائحة الأولويات في الدول العربية.

وذكر أنه في الوقت الذي تطرأ فيه حاجة لبذل جهود حقيقية لتوفير فرص العمل كضرورة ملحة وجوهرية، يبرز التحدي الخاص بتحقيق نمو اقتصادي مستدام كضرورة يجب التصدي لها على المدى المتوسط، أخذا في الاعتبار التحولات الاقتصادية العالمية التي طرأت حديثا والتي نشأ عنها تحوّل محركات النمو الاقتصادي العالمي من الغرب إلى الشرق، تحديدا قارة آسيا.

ولتحقيق هذه الأهداف العامة، تحتاج الدول العربية إلى تبني سياسات فعّالة على صُعُد مختلفة أهمها بكل تأكيد السياسات الاقتصادية الكلية للحفاظ على الاستقرار الاقتصادي واستحداث مؤسسات وأدوات كفء تخدم هذا الغرض، وذلك لمواجهة الظروف الاستثنائية التي تشهدها على المستويين الداخلي والخارجي على خلفية التحولات السياسية التي تشهدها المنطقة وتداعيات أزمة الديون الأوروبية.

ويجب أن تتماشى السياسات التي تحتاج الدول العربية إلى تطبيقها مع هذا التوجه العام المتضمن لضرورة تحقيق نمو اقتصادي مستدام وشامل بما يمكن من تحقيق الرفاهية الاقتصادية وتعزيز أسس العدالة الاجتماعية، ما يبرز الحاجة إلى تعزيز أدوات السياسة المالية من خلال توفير حيز مالي معقول ترتكز عليه هذه السياسة ويدعم الجهود الحكومية المتخذة لدرء تداعيات الصدمات الاقتصادية والمالية السالبة سواء الخارجية منها أو الداخلية.

(عربي 21)