تماماً مثلما لم يترك محافظو إيران طرفاً أو دولة إلاّ واتّهموها بـ«التآمر» الذي انفجر في شوارع المدن الإيرانية على مدى أيام، يكاد صاحب الكرملين أن يفعل الشيء ذاته من خلال تمرجحه في توزيع الاتهامات بالمسؤولية عن الهجوم الاستثنائي الذي ضرب «قاعدة حميميم»!

لم يتّهم الأتراك بداية وأصلاً، لكنّه برّأهم! ثم وصلت مواصيله إلى اتّهام واشنطن بتنسيق وتدبير ذلك الهجوم. ثم أدخل أوكرانيا على الخط! وربما لاحقاً يكتشف دوراً ما لجماعة شيشانية!

والأمر غريب! دولة عظمى تتعرض لضربة حرزانة وغير متوقّعة ولا محسوبة، في أبرز قلاعها العسكرية خارج حدودها، لكنّها لا تزال تفتش عن الجاني! وتبحث عن جسمٌ مناسب لتحميله الوزر الثقيل! مع أنّ التقنيات التي تملكها، أرضياً و«فضائياً» يُفترض أن تكون كافية لتكوين حُكم صارم ونهائي في شأن هوية الجهة التي «تجرّأت» على المسّ بتلك القلعة الفضفاضة!

الضربة في ذاتها كبيرة. وتستحق كل تلك الضجّة التي ولّدتها. لكن الواضح أنّ موسكو تنفخ فيها أكثر من المعتاد وتعطيها أصداء أكثر حتى من رغبة منفّذيها! وذلك مردّه إلى أمرَين. الأول هو التشديد على «فكرة» أن الخطب جلل! وأنّ التعرّض لـ«قاعدة» الوجود الروسي ليس حدثاً عادياً! وأن ضرب الهيبة العسكرية بتلك الطريقة (البسيطة في واقع الحال!) ليس شأناً يُسكت عنه! أو يُنسى بسهولة!.. والثاني الأخطر، والأقرب إلى المنطق المتآلف مع «حوادث» كثيرة سُجِّلت على مدى سنوات المواجهة الماضية، هو أنّ الروس يعرفون وينكرون! وما يعرفونه على ما يبدو هو من النوع الفضّاح والمحرج: كأن يكون الهجوم تمّ بأدوات حليفة! أو «بتواطؤ محلّي»!

ولهذه سوابق يعرفها «حزب الله» جيّداً! ودفع فيها الكثير! قبل أن يقرّر حماية ظهر مقاتليه بمقاتليه وحدهم! ويمنع (حرفيّاً!) وجود عناصر نظامية سورية على أبواب مناطق نفوذه في دمشق خصوصاً!

معضلة الروس تكمن في أن الأحزمة الأمنية المطلوبة لحماية قاعدتهم الأولى، تحتاج إلى وجود بشري ميداني مباشر من قبَلهم، وهو الأمر غير المتوافر تبعاً لخشيتهم من الانخراط في مواجهات استنزافية مُكلفة.. لكن الأخطر من ذلك، هو افتراضهم أنّ استخدام الأساليب الشيشانية في عملياتهم السورية يجعل من سوريا شيشان أخرى! وأن ذلك يوازي «التفويض» الأميركي والغربي المعُطى لهم، ويمكّنهم في الخلاصة، من فرض إرادتهم «وحدهم»، سلماً أو حرباً!

بهذا المعنى، تصبح الكيفية التي تمّت فيها عملية استهداف «قاعدة حميميم»، تفصيلاً أمام الأسباب التي أدّت إليها، والتي قد تؤدي إلى غيرها! ويصير البحث عن «هوية» المنفّذين غير ذي جدوى طالما أنّ هؤلاء سوريون أولاً وأخيراً.. وطالما أنّ سياسات موسكو في «القطر الشقيق» مخالفة لمنطق الأمور وطبائع الديموغرافيا والجغرافيا السياسية السورية!

علي نون