تقيم الفنانة التشكيلية لورغريٌب معرضاً لاعمالها في غاليري "جانين ربيز" الروشة، يستمر الى 13 كانون الثاني المقبل، تواصل فيه اختباراتها ، التي لا تخرج عن المنطقة الشعورية العفوية والمباشرة ، التي تمنحها جماليات في العمل والمواد والطبيعة والاشياء.

معرض " منمنم " ليس كبيرا ، ولكن تمثيلي كفاية ، لأنه يعبرعن المزج بين أسلوبها المعهود في المنمنمات بالابيض والاسود ، وتتجاوز ذلك الى مستوى اخر من في تجهيز افكار يحاكي الوقائع اليومية وتعلق عليها ايضاً بالابيض والاسود . ثم مستوى من التركيب بالالوان والخرز والاكسسورات المختلفة داخل كادارات خشبية ، قريباً من المنحى الطقوسي والتعبيرية التجريدية ، وفي اللعب على الشكل والوجوه، والفكرة، والرسم ، بنزعة تسويقية لطفولة غاية في البساطة والعفوية والمباشرة .

كأن لور غريٌب تحفظ ذاكرتها في المعرض ، توثقها بمزاج حرٌ يبتكر جماليات وبانعدام التراتبية ، وبتجريب يمزج بين مستوى من الشغل البطيء والمثابرة في الدقائق في المنمنمات، وبين محاكاة ساخرة حداثية سريعة شبه " حكواتية " في هندسة مكعبات صغيرة طريفة لخواطر، وتأملات ، ولغة ورموز وأشعار .

لور غريٌب مثل حكايات الساحرة ، ومستوى اخر من توسل مسار متمرد على أشكال من الوحدة ،والعزل ، والقلق ،والتمزق ، والكبر ،عبر الطريق الطقوسي المسيحي بالامتنان الى الحياة ، وفي مزاج كسر العزلة الداخلية ، وكسر الغياب، والاحتجاج والتفجر، في فوضى حواس لخلق فردوس شخصي ، الوجه الممتلئ بالنعمة ، والكلمة المفتاح في الكتابات والممارسة ، واعتماد المجاز في استغلال مواد عادية بسيطة جداً في تجهيزسلاسل خشبية ، من مكعبات على شكل السبحة ، او الصلاة السرٌية ، الايقونة ، تتغذى منها أعمالها .

يبدو من ذلك تحول المعرض الى فضاء حميمي ، تدون فيه لور غريب سلوكياتها وملاحظاتها، وهي لا تشتغل على طرق غير متوقعة ، ولكن الجديد أن تقتبس الأفكار والألوان في تجهيز ورسم مشاريع صغيرة وماكياج ،وتزيين وزخرفة ، وتمحو الحدود في العمرما بين الطفولة والمراهقة والكبٌر ، وتستثمر كل أحاسيسها وتعلقها في مساحة عاطفية وغنائية في مزج بين الفن الشعبي ما يشبه " Pop Art والتعبيرية التجريدية في بحثها عن معنى الحياة ، ويبلغ الذروة في المنمنمات الجدارية التي ترتكز أعمالها عليها في السنوات الاخيرة ، وفيها الكثير من عالمها الطفولي الذي يدل عليها شخصياً .

تجريب تشكيلي تعرض فيه حياتها منذ الطفولة الى الحياة الجدية واخرى نظرات في القلق ، وتقدم اختباراً يكتسب شكلاً ومضموناً فيه حساسيات كثيرة . ثم هي تستفيد من تفاعل التقنيات من خلال الروابط التي تجمع بين الرسم والتجهيز لتبني لحظات من عالم طفولي واستبطانات للواقع وأفكار مبعثرة عن عالم اليوم ولما يجري ويدور في الرأس. لكن المؤكد أن عالم الطفولة لا حدود له ، مثل قرص الشمس ، قرص الوجه ، وأحياناً بألوان قوية في جديد المعرض ، وتتقاسم مع الاشكال البسيطة قوة اللوحة وبالخروج من المدلول الثابت الى المدلول المتحرك ،والى مزيد من الإيحاء بحرارة اللون ، وحرارة الاشياء ، وحرارة الحواس التي تتحرل بسنوغرافية حركيٌة .إذ ان لور غريب تعطي كل الاشياء سماتها الطفولية الاولى ، والبدائية، والأ لوان بما فيها الاسدود والابيض ، كما الاشكال ، والافكار ليست عمياء ، تنظر اليها في مرايا عديدة ، نافذة على حياة فيها الكثير من الامور المموهة، الدادائية الشاعرية وبغنائية داخلية ، هي أصعب اللوحات . لور مثل حكايات الساحرات لديها إحساسات غامضة في الطفولة ، طفلة مجنونة اليوم تمنح الاشياء قوة العاطفة ،قةة الحضور ، غير معنية بالجماليات بالمعنى البلاغي ، او الشكلاني ، ولا بكليشيات الرومنطقيين ونظرياتهم. تسقط كلها على المعرض فجأة ، قوية ، متدفقة ، صريحة ، مباشرة، وبالسخرية اللاذعة وبفوضى الحواس والاشارات ، ذلك أن قوة الجمالية هو في صدقها وفي ظرفها ، وحيث لا حسابات ، ولا اصطناع ثقافة ، وهي فنانة مثقفة ، وذات تكوين ادبي وصحافي شامل ، وهي تروي في المعرض ظروف طفولة وعائلة وأمكنة بين الريف والمدينة بيروت، وكل ما كان له الأثر البالغ في حياتها . نسيج إمرأة من "المختلفات" في المدينة ، المواظبة والطاحشة من دون حدود ، وهي تحافظ على نظارتها وموقعها الفني والتنوع في أدواتها، وفي تقنياتها ، وإنتاجها . وها هي تتدفق خواطر وتأملات وألأوان حول اشياء تراها مهمة في الحياة ، بإسلوب يجمع بين الطراوة والوضوح، وهي اذ تبعث أعمالها للمشاهدة الواسعة ، تبعث معها حكمة كيف تنتج الحياة أفضل.

مع الاشارة الى أن الملاحظات على معرضها ، هي ملاحظات تجريدية ، لا يمكن ادراك ذلك الخصوصي في كل عمل ، كل كأئن في اعمالها ، زهي مواد اساسية للحياة ، وللطريقة التي تتغذى منها ، وهي تجسد اشياءها ، ما يكفي ، ثم تلتقي على الطريق المسيحية ، الفن في وجه الشر ، الفن وجه الخير ، الفرح ، الحياة ، الحركة ، الكلمة ، الوجه ، هزم اليأس والفراغ ، بمعنى اخر هي " taoiste" ايضاً بمعنى البحث في الدليل الحسي والعيش المتناغم مع التدفق الطبيعي ـ يمكن فهمها بذلك الضوء الذي تعلق فيه ملفاتها ، او تفتحها ، وهي لا تكف عن العمل ، ولا شيئ يمنعها من الضحكات العالية .