==== رولا عبدالله

ليست حقوق الانسان إعلاناً عالمياً درجت العادة أن تحتفي به الأسرة الدولية منذ نحو 70 عاماً، أي منذ الدمار الذي خلفته الحرب العالمية الثانية، ثم أنه تنتهك الأرض والشعوب وحدود الجغرافيا والتاريخ، بدلالة الصور الموجعة المتراكمة في أرشيف وكالات الأنباء العالمية عن حصيلة العام 2017 المتخم بالنكبات، وعن دول باتت مجردة من ألوان الحياة، وليس آخرها في الجوار العربي، مشهديات منها الطفل الفلسطيني الذي ولد يتيماً بإرث مزمن فيه كوفية وحجارة ووعود لم تأت بعد، والطفل العراقي الذي يخبئ في عينيه حلما مفقوداً عن بلد الحضارات المسلوبة ما بين النهرين، والطفلة السورية الناجية بدمائها من أطنان البارود ومختلف الأسلحة المحرمة دولياً، وذاك اللاجئ في أصقاع العالم ببرد ينخر في العظام وغربة تنقر في الذاكرة وانتقاص حقوق وكرامات بما لا تنفع معه كل العبارات المسكنة والوعود المؤجلة والمزايدات وعبارات المواساة.

وفي ظل ما تعريه الصورة القاتمة «المعولمة»، يصارع اللبناني في ساحات الداخل وعلى منصات المحافل الدولية، بحثاً عن مشهديات مغايرة فيها الفرح لون مدائن تجيد الاحتفاء بالأعياد زينة وضحكات أطفال، وفيها الإرادة مزاج شعب يجيد التحايل على الحقوق في تحصيله لحقوق بديلة، وفيها الأزمات سحابات صيف عابرة تأخذ في الغالب الى طاولات حوار طويلة الأمد، وفي كل ما تأخذ إليه يبقى البلد الأصغر في محيطه من حيث المساحة هو الأقدر على احتضان حقوق الآخرين، بدءاً من استيعابه لأعداد تفوق عدد سكانه من اللاجئين خوفا عليهم من الابادات الجماعية، وصولا إلى صموده في وجه المخططات الخارجية ذات القابلية المرتفعة للتقسيم والتجزئة والانتهاك، وما بينهما تحصيل حاصل لما أمكن من حقوق مدنية وسياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية، لتأتي حصيلة العام بعيدة الشبه عن سوداوية المشهد الكوني، لجهة المثابرة على وضع قانون انتخابي يأخذ البلد في النسبية الى بر الأمان، ولجهة المساعي الحثيثة في التأسيس لمجتمع ديمقراطي قادر على التكيف مع شروط التنمية المستدامة والامن والسلام الطويل الأمد، وليس آخرها تسوية «النأي بالنفس»، ومعها النأي بالبلد عن صراعات مكلفة سبق أن اختبرها وعايشها.

وفي المشهد اللبناني مساع حثيثة لدعم التنوع وحماية مختلف وجهات النظر وتحصين الحريات والحيوات باللجوء الى المحكمة الجنائية الدولية بغية المحاسبة بعيدا عن شريعة الغاب التي أكلت في الجسد العربي الحر ورقصت على جثامين الشهداء المتناثرة بأطنان من البارود والنزعات الالغائية، معتمدة الترهيب والانتقام مرّات. وهناك الجهود التي بذلت في السنة الأخيرة من أجل السعي الى إقرار حق كل مواطن لبناني بالضمان الاجتماعي، وبالعدالة الاجتماعية، وبالقضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، ودعم المغتربين والمهاجرين من خلال إعادة حقوق كانت مغيبة لسنوات طويلة.

وفي القائمة الحقوقية خطوات عاجلة توليها الحكومة اللبنانية أهمية، بينها الطارئ من مثل تثبيت حق فلسطين بعاصمتها المقدسية، وبينها أهداف تصوب على التنمية المستدامة بالتشبيك مع المؤسسات الدولية في السعي للقضاء على الفقر والجوع وتأمين التعليم الجيد وتوافر الطاقة والنمو الاقتصادي. ومع ذلك يبقى البلد أعرجا في تسييره الشؤون الحياتية، ذلك أن المشوار الطويل في العودة الى السكة النظامية ومنطق الدولة يتطلب بذل جهود مضنية لا تتوافر بين ليلة وضحاها، إلا أنه على الأقل في جردة العام الحقوقية لم يحتل الشاشات العالمية شجباً وتنديداً، وإنما جدارة تستأهل الاحتضان والمواكبة والتقدير.