.. وكما كان متوقعاً عاش العالم، وليس فقط العرب والمسلمون، أمس، على وقع تسونامي «وعد ترامب» بالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل. تظاهرات في عواصم كثيرة. إدانات. تحذيرات. اتصالات متشعبة بين زعماء. صواريخ فلسطينية من جديد واعتدءات إسرائيلية كالعادة. عاصفة غضب حقيقية وحّدت العرب والمسلمين إذ أدركوا، وهم الذين اعتادوا خسارة المدن، أن الخسارة الجديدة ليست كسابقاتها. إنها المدينة المقدسة ذات المكانة الدينية المميزة، فإن ضاعت يضيع معها الكثير: تاريخ ومستقبل.

انقسم العالم أمس. الرئيس الأميركي دونالد ترامب وحده مع إسرائيل في جهة، وكل البقية وحتى أوثق حلفاء واشنطن المخلصين في الجهة الثانية. فحاول البيت الأبيض التخفيف من شؤم «وعد ترامب» بالقول إنه لا يعني التخلي عن عملية السلام، برغم إدراك الجميع أن هذا «الوعد» أغلق كل الدروب المؤدية إلى تسوية مقبولة نوعاً ما، وفتح باباً واسعاً لنكبات وخيبات ومواجهات.

«يوم غضب» اليوم. وصلاة الجمعة ستكون مشحونة بأدعية ولعنات على من أهدى إسرائيل «أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين».

فقد عمت دعوات الغضب العالمين العربي والإسلامي، وجاءت مدوّية دعوة الفصائل الفلسطينية إلى «يوم غضب» فيما خرجت موجة من الاحتجاجات في الضفة الغربية المحتلة وقطاع غزة وتسببت في اشتباكات بين فلسطينيين وقوات إسرائيلية.

فقد أصيب نحو 104 فلسطينيين برصاص جيش الاحتلال الإسرائيلي، في مواجهات اندلعت في مدن مختلفة في الضفة الغربية المحتلة، احتجاجاً على القرار الأميركي باعتبار القدس عاصمة للدولة العبرية.

وخرجت تظاهرات في كافة المدن الفلسطينية احتجاجاً على القرار الأميركي، في مناطق الخليل ونابلس وبيت لحم والقدس الشرقية المحتلة ورام الله.

ووقعت الإصابات خلال مواجهات اندلعت في مدن قلقيلية وطولكرم (شمالاً)، وبيت لحم (جنوباً) ومدينة رام الله، بالإضافة إلى عشرات الإصابات بالاختناق جراء استخدام الغاز المسيل للدموع، وإصابة واحدة بالرصاص.

وعمّ الإضراب الشامل فلسطين الخميس، احتجاجاً على الاعتراف الأميركي، ودعت حركة حماس إلى انتفاضة جديدة، ما يزيد المخاوف من تدهور أمني على الأرض.

وأعلن الجيش الإسرائيلي أنه نشر تعزيزات في الضفة الغربية المحتلة تحسباً لوقوع مواجهات مع الفلسطينيين. وقال إن طائرة ودبابة استهدفتا موقعين تابعين لنشطاء في قطاع غزة بعد إطلاق ثلاثة صواريخ من القطاع صوب إسرائيل.

وأعلنت جماعة جهادية تسمى «لواء التوحيد» في قطاع غزة مسؤوليتها عن الإطلاق. ولم تستجب الألوية إلى دعوة حركة حماس بالإحجام عن إطلاق صواريخ.

وخالف ترامب نهج السياسة الأميركية المُتبع من عشرات السنين باعترافه بالقدس عاصمة لإسرائيل مهدداً جهود السلام في الشرق الأوسط ومثيراً استياء العالم العربي وحلفاء غربيين على حد سواء.

وفي تصعيد فلسطيني، صرح المسؤول في حركة فتح جبريل الرجوب أن «نائب الرئيس الأميركي (مايك بنس) غير مُرحب به في فلسطين (...) والرئيس (الفلسطيني محمود) عباس لن يلتقيه بسبب التصريحات التي أدلى بها» بنس عن القدس.

ويتوجه نائب الرئيس الأميركي إلى مصر وإسرائيل في النصف الثاني من كانون الأول الجاري. وتكتسب هذه الجولة أهمية مضاعفة بعد ما أعلنه ترامب في شأن القدس وما أثاره ذلك من غضب فلسطيني واستياء دولي.

وفي رد على تصريحات الرجوب، قال البيت الأبيض إن احتمال إلغاء اجتماع مقرر قريباً بين بنس وعباس سيأتي «بنتائج معاكسة». وقال مسؤول في البيت الأبيض إن بنس «لا يزال يعتزم لقاء عباس كما هو مقرر».

وأكد عباس إثر لقائه ملك الأردن عبدالله الثاني في عمان أن قرار ترامب «مرفوض جملة وتفصيلاً»، مضيفاً أن واشنطن «بهذا الموقف الذي اتخذته أبعدت نفسها كثيراً عن العمل السياسي في الشرق الأوسط».

وقالت وكالة الأنباء الفلسطينية (وفا) إن عباس «أطلع... العاهل الأردني على آخر التطورات بشأن القدس والمخاطر المُحدقة بها على ضوء قرار الرئيس الأميركي بشأن الاعتراف بالقدس عاصمة دولة الاحتلال وعلى آلية التحرك المستقبلية لحماية المدينة المقدسة ودعم صمود أهلنا هناك».

وفي مجلس الأمن تقدمت فداء عبد الهادي ناصر نائبة المراقب الفلسطيني الدائم لدى الأمم المتحدة بشكوى في وقت متأخر من مساء الأربعاء ضد قرار ترامب. وقال ديبلوماسيون إن من المرجح أن يجتمع المجلس الجمعة لمناقشة القرار الأميركي.

وقال الكرملين إن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره التركي رجب طيب أردوغان تحدثا هاتفياً وعبرا عن قلقهما العميق بشأن القرار.

وأشار أردوغان إلى رفض المجتمع الدولي والأمم المتحدة، قرار إسرائيل عام 1980 في إلحاق القدس بها، وشدد على أن القرار الأميركي الأخير حيال القدس يؤثر سلبياً على سلام واستقرار المنطقة.

وأفادت المصادر بأن بوتين أعرب عن مشاركته لآراء نظيره التركي في هذا الإطار. وأضافت أن الرئيس الروسي أكد لأردوغان أنه سيتابع المستجدات المتعلقة بالقرار الأميركي.

وأثار قرار ترامب الشكوك بشأن قدرة إدارته على مواصلة مساعي السلام التي يقودها جاريد كوشنر صهره وأحد كبار مستشاريه لشهور بهدف إحياء المفاوضات المتوقفة منذ فترة طويلة.

وفي غزة، قال إسماعيل هنية رئيس المكتب السياسي لحماس في كلمة ألقاها «نطالب وندعو وسنعمل على إطلاق انتفاضة في وجه الاحتلال الصهيوني».

وحث هنية الذي انتخب زعيماً للحركة في أيار الماضي، الفلسطينيين والمسلمين والعرب على الخروج في مظاهرات احتجاجاً على القرار الأميركي واصفاً إياها بـ«يوم الغضب». ودعا هنية عباس للانسحاب من عملية السلام مع إسرائيل، كما دعا العرب لمقاطعة إدارة ترامب. وقال «أعطينا تعليمات لكل أبناء حركة حماس في كل أماكن تواجدهم إلى إعلان نفير داخلي وإلى التهيؤ والتحضير لمتطلبات المرحلة القادمة لأنها مرحلة فاصلة في تاريخ الصراع مع العدو الصهيوني».

وقال «القدس موحدة، نحن لا نعترف بأن هناك قدس غربية وأن هناك قدس شرقية. القدس موحدة هي أيضاً ملك لنا نحن الشعب الفلسطيني». وأضاف أن القدس الموحدة عربية وإسلامية وأنها عاصمة لدولة فلسطين بالكامل.

ومن المتوقع أن تخرج احتجاجات ومظاهرات الجمعة قرب نقاط تفتيش إسرائيلية في الضفة الغربية وعلى الحدود بين قطاع غزة وإسرائيل، كما من المتوقع أيضاً أن تكون صلاة الجمعة في الأقصى محور توترات محتملة.

وحث ناصر القدوة عضو اللجنة التنفيذية لحركة فتح ومساعد الرئيس الفلسطيني الفلسطينيين على بدء احتجاجات لكنه قال إنها يجب أن تكون سلمية.

واندلعت كذلك احتجاجات في مناطق من العاصمة الأردنية عمان يسكنها لاجئون فلسطينيون، وتجمع مئات عدة خارج القنصلية الأميركية في اسطنبول أمس بعد إعلان ترامب.

وفي العاصمة الباكستانية إسلام اباد نظم نحو 50 عضواً من جماعة الدعوة الإسلامية احتجاجاً لشجب القرار الأميركي. وانضم بضع عشرات من نقابات عمالية للاحتجاج.

وقالت حركة طالبان في أفغانستان إن الولايات المتحدة «تكشف عن مطامحها الاستعمارية في الأراضي المسلمة».

وأطفأ فلسطينيون أضواء عيد الميلاد في مسقط رأس المسيح في بيت لحم وفي رام الله قرب قبر الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات ليل الأربعاء احتجاجاً على القرار الأميركي المجحف.

وفي المقابل قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي أشاد بإعلان ترامب باعتباره «يوماً تاريخياً»، إن دولاً «كثيرة» ستحذو حذو الولايات المتحدة في الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، وإن هناك اتصالات تجري بالفعل في هذا الشأن. ولم يحدد الدول التي أشار إليها.

وقال نتنياهو في كلمة ألقاها بوزارة الخارجية الإسرائيلية «خلد الرئيس ترامب اسمه في سجلات عاصمتنا. سيشاد باسمه الآن إلى جانب أسماء أخرى ذات صلة بالتاريخ المجيد للقدس ولشعبنا».

وانتقد حلفاء آخرون مقربون من واشنطن، بينهم فرنسا وبريطانيا، تحرك ترامب. ودعا البابا فرنسيس لاحترام الوضع القائم للمدينة بينما عبّرت الصين وروسيا عن قلقهما.

وقالت مسؤولة السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي فيدريكا موغيريني «للاتحاد الأوروبي موقف واضح وموحد. نعتقد أن الحل الواقعي الوحيد للنزاع بين إسرائيل وفلسطين مبني على دولتين تكون القدس عاصمة لكلتيهما».

وأظهرت وثيقة للخارجية الأميركية اطلعت عليها رويترز الأربعاء أن واشنطن طالبت إسرائيل بتخفيف ردها على الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل وذلك لأن واشنطن تتوقع رد فعل غاضباً، وتدرس التهديدات المحتملة للمنشآت والأفراد الأميركيين.

وقال وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون في فيينا «الرئيس أصدر لي ولوزارة الخارجية توجيهات لتنفيذ عملية لبدء مساعي نقل السفارة... هذا ليس أمراً سيحدث بين ليلة وضحاها». واعتبر وزير الخارجية الأميركي أن الرئيس الأميركي باعترافه بالقدس عاصمة لإسرائيل، إنما كان ينفذ رغبة الشعب الأميركي.

وقال البيت الأبيض إنه ليس لديه علم بأي دولة أخرى تعتزم أن تحذو حذو ترامب وتعترف بالقدس عاصمة لإسرائيل. وقالت سارة ساندرز المتحدثة باسم البيت الأبيض للصحافيين «ليس لدي علم بأي دولة نتوقع حدوث ذلك منها في أي مرحلة قريباً.. لا أقول إنهم لا يعتزمون ذلك، ولكن ليس لدى علم بهم».

(رويترز، أ ف ب، العربية.نت)