على طريقة "ما في شي بسوريا" التي كان قد سوّقها النظام السوري وحلفاؤه منذ سنتين تقريباً رغم الصواريخ والقذائف والبراميل المتفجرة التي كانت تنزل على المدنيين وتأخذ في طريقها الصغار قبل الكبار، وعلى قاعدة تحوير الحقائق وتحريفها في كل ما يتعلق بالوضع السوري ككل وتحديداً الإنتهاكات والفضائح الإنسانية التي تحصل في السجون، زعم وزير مالية النظام السوري أن "لا احد في سورية جائع وهناك أساسيات تتمسك الحكومة بتأمينها ولا يمكن أن تتنازل عنها". كان الشعب السوري خلال اليومين الماضيين، على موعد مع حملة تضليل جديدة بطلها هذه المرة وزير المال في النظام السوري مأمون حمدان الذي اعترض خلال مناقشة تقرير لجنة الموازنة والحسابات، على بعض المصطلحات التي أوردها بعض نوّاب النظام في مجلس الشعب من قبيل أن "الشعب جائع". معتبراً أن "هناك جوع نعم في بعض الأحيان وأنا أشعر بالجوع في كثير من الأحيان لأنني لا أجد الوقت لتناول الطعام"، داعياً إلى "ضرورة التدقيق في هذه المصطلحات مع احترامه لكل الآراء، الصادرة عن مجلس الشعب". تضليل النظام للواقع السوري واستخفافه بمعاناة شعبه كما درجت العادة، لم تمر هذه المرّة كسابقاتها، إذ أن جزءاً كبيراً من السوريين في الداخل السوري والخارج، تداعوا إلى تنظيم حملة على وسائل التواصل الاجتماعي مزجت بين السخرية من أكاذيب النظام وبين القهر والحرمان الذي يُمارس بحق الشعب السوري. كما عبّروا عن حالات الغضب التي تكتنزهم من جرّاء السكوت عن الحصار الذي يفرضه نظام الأسد على المدنيين العزّل ومحاولات تطويعهم وإجبارهم على ترك منازلهم إمّا ترهيباً بالقتل، أو ترغيباً بالمواد الغذائية. وفي معرض تعليقها على الإنقسام الواقع بين بعض النوّاب ووزير المال، فقد سخرت صفحة "حمص نيوز" الموالية للنظام من أقوال حمدان حيث قامت بنشر صورة كاريكاتورية لمحادثة بين أب وابن، خاطب فيها الوالد ابنه الذي بدا مُنهكاً وجائعاً: "الوزير بيعرف يا ابني أكتر منّا، أنو ما في جوعان بسوريا". وفي السياق، نشرَت بعض الصفحات صورةً لحفل فاخر قالوا إنها لزفاف ابن الوزير حمدان، علّقوا عليها بعبارة "كاسك يا وطن". إدعاءات النظام وممارسة سياسة التعمية ومحاولته إخفاء الحقائق رغم سطوعها كنور الشمس، كشفتها أوّل من امس "منظمة الصحة العالمية" التي جددت نداءها لإجلاء نحو 500 مريض من الغوطة الشرقية، في وقت لا يسمح فيه نظام الأسد بخروج أي مدني مهما كانت حالته. وقد جاء هذا النداء، بعد أيام على تقرير مشابه لمنظمة الطفولة العالمية (اليونيسف) أكدت فيه أن أكثر من11 في المئة من أطفال الغوطة يعانون من سوء تغذية حاد، وسط تجاهل دولي لنداءات المنظمات الحقوقية ومأساة المحاصرين. وعلى الخط نفسه، أعلن مستشار الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية يان إيجلاند أمس، أن "مريضين لقيا حتفهما هذا الأسبوع وهما ينتظران الإجلاء فضلاً عن وفاة تسعة الأسبوع الماضي على الرغم من طلبات إجلاء للعديد من الحالات الطارئة، لكن من دون أن يتلقوا رداً من حكومة الأسد". لا تقتصر معاناة الشعب السوري على الارهاب الذي يُمارسه النظام، بل تتضمن أيضاً جرائم القتل وحملات الإعدام التي يُنفذها تنظيم "داعش" في أكثر من بلدة وقرية سوريّة، لتظهر الأمور وكأن هناك دوراً متكاملاً بين الجهتين يُنفّذ بحق الشعب السوري، ويظهر هذا التكامل بأبشع صوره من خلال المجازر التي يرتكبها الطرفان واستهدافهما الأبرياء وإن في توقيت أو تاريخ مُختلف. أما في موضوع التهجير والتدمير وقتل الاطفال والنساء وجرّ كبار السن إلى الجبهات ومنع دخول المؤن الغذائية، فحدّث ولا حرج، إذ أن للأول صولات وجولات، فيما يمارس "داعش" بالموازاة، أبشع انواع التهجير والتطهير العرقي ضمن المناطق المُتفق على تقاسمها بينهما. وما لا يستطيع "داعش" تحقيقه في الميدان ضد العشب السوري، يُحققه النظام بالحصار وحرمان الأطفال من العلاج في وقت يسمح فيه بعبور شاحنات القمح من أراضيه، باتجاه مناطق سيطرة "داعش". وبالعودة إلى تقرير "اليونيسف"، فقد أكدت أن "أكثر من ثلث الأطفال الذين شملتهم الدراسة في الغوطة، يعانون من التقزم، مما يزيد من خطر تأخر نموهم وتعرّضهم للمرض وللموت"، مضيفة: "يعاني الأطفال الصغار جداً من أعلى معدلات سوء التغذية الحاد". وأشارت إلى أن الأمهات توقفن جزئياً أو كلياً عن إرضاع الأطفال بصورة طبيعية بسبب معاناتهن من سوء التغذية أو العنف المستمر". وبدوره أورد المرصد السوري لحقوق الإنسان المعارض، أن "الحكومة السورية فرضت حصاراً على الغوطة الشرقية منذ 4 سنوات، تسبب في نشر سوء التغذية لدى الأطفال بسرعة كبيرة وخاصة عند حديثي الولادة، فلا طعام ولا غذاء ولا حليب للأطفال، فضلاً عن الموت بشظايا القذائف والصواريخ المتساقطة بشكل يومي على الأحياء السكنية المكتظة بالمدنيين". الداخل إلى أكثر المدن والمناطق السورية أو حتّى الخارج منها، لا تشغله أصوات الرصاص والقذائف ولا هدير طائرات الميغ في سمائها ولا حتّى إطلاق براميلها المتفجرة فوق رؤوس المدنيين العُزّل، بقدر ما يشغله إحصاء عدد القتلى والجرحى والحالات المرضية المتهيئة للموت بسبب المجاعة وسوء التغذية. البعض يُشبّه هذه المدن بـ"ليننغراد" الروسية التي حوصرت ذات يوم على يد جيش هتلر لمدة 872 يوماً، فأوقع فيها أكثر من 50000 قتيل مدني جُلّهم من الأطفال والنساء. اليوم تُعاني "الغوطة" الأمر نفسه على يد نظام حوّل المنازل والمستشفيات ومستودعات الأدوية والمدارس إلى رُكام لا يصلح إلّا لإستعماله أكياساً لمتاريس من المؤكد أنه سوف يضطر ذات يوم الى الإختباء خلفها.