مسار المخرج ماتيو أمالريك يستعير طرقاً غير متوقعة.. فبينما اقتباسه رواية ستاندال «الأحمر والأبيض» تأخر في الولادة، فقد وقع أثناء ذلك مشاريع صغيرة، اقتباس عن الروائي جورج سيمنون «الغرفة الزرقاء» (2014)، الذي أنتجه بسرعة بابولو برانكو، الذي كان في البداية سيخرجه بيار ليون. ففي رأس هذا الأخير خطرت فكرة جان باليبارعن معالجة فيلم «بربارة» (المغنية الفرنسية الأيقونة).. وعندما قرر أمالريك تنفيذ هذا المشروع، كانت له علاقة شخصية وطيدة بالفيلم: حب قديم، امرأة صورها سينمائياً في «ملعب ويمبلدون». إذاً، لا مفاجأة، في أن يخرج سيرة في فيلم. هنا ايف شخصية المخرج، لا تني تنطمس. جوابه الأول لفيلم سيرة ذاتية هو فيلم داخل الفيلم. على هذه الجبهة، يستثمر أمالريك كل مكاسب الدوار الحديث الذي يوجزه ازدواجية الخيالي في وجهيه. جعل جان باليبار يصبح بريجيت لتجسّد المغنية بربارة. يمر الوقت، وتتّسع الخشبة، بربارة تنتقل لتعزف البيانو على مدخل باب الذي تلتقي فيه أمها. وهنا، لا يبقى شيء من آلية السينما، المكان خفيف وعميق كالصوت الذي سيرتفع.. المكان، الذي كان يحتوي من قبل التسوتيك، انفتح على مصراعيه على المتخيل. اختفاء الحدود هذه في صلب مبدأ الفيلم، حيث بدا أنّه لم يعد للتصوير حدود.. ماتيو أمالريك، ممثلاً، يحوز الناحية المتشائمة للمتخيل، وشخصيته كمخرج تبدو معلّقة من كل جانب. بحبه لبربارة، الذي يرفعه الى مستوى السحر، يتجاوز إخلاصه الخجول لبريجيت، التي يغمرها بنظرة قلقه لا تلبث أن لا تتحملها. وهنا يسلك الفيلم منعطفاً أقرب إلى الانكسار: إلى الانفجار. فيقدم صورة مشوشة للمغنية بدلاً أن يعيد بناء القصة. فالفيلم يكتسب شكلاً وهو يتفكك.

هذا الانحياز يقود المخرج إلى «الغرفة الزرقاء». وهنا بالذات تنبعث أيقونة لتلقي الضوء على بعض اللحظات السهلة من وجودها، بعض الموسيقى، وترك مدار أجزاء الذكريات تسقط من جديد في ترتيب مبعثر على المتفرج. إذاً، ليست بربارة القدر، التقدم، النتيجة. فللفيلم شكل دائرة واسعة، يصوّر عليها أمالريك اللقطات. مراحل حياة بربارة هي هنا، مكشوفة، خصوصاً في لحظات الغناء، لكن مجموعة المشاهد تشكل أفعى تعض بإرادتها ذيلها.

يلاحظ أن في شغل المخرج نوعاً من التجريب، سواء في تطور الأحداث، أو في اللحظات المعبّرة، أو في تركيب السيناريو والصور.

الفيلم «بربارة» عن حياة المغنية الأيقونة يُعرض حالياً في الصالات العامة.

هنا حوار مع المخرج نُشر في المجلة السينمائية الفرنسية «دفاتر السينما».

* في البداية بربارة كانت مشروع بيار ليون، في أي لحظة تمّ الانتقال منه إليك؟

- خلال سهرة في بيته، كان منهكاً؛ لا يجد تمويلاً، وقال لي: «ماذا لو تجرب أنت؟». كان في رأسه جان باليبار. بيار ليون هو عارف كبير ببربارة. ولم يكن ذلك حالي، لم يكن عندي إحساسات غامضة بالطفولة، صوت صديقة يمكن أن تخفض التوترات العائلية بل ما كنت أتصور أن شخصاً يمكن أن ينوجد خلف الصوت، على عكس بيار، الذي رآه في أمسية موسيقية. رد فعلي الأول أنني اعتقدت أنها هدية مسمومة، بيار أعطاني كل شيء: السيناريو ثمرة سنوات من البحث.. لكن الحل بالنسبة إليّ لم يكن أن نجد في النصوص. كان موجوداً قرب جان.

* من أي طرف قاربت صورة بربارة؟

- في البداية قمت ببحث وحدي، على الانترنت، على موقع «إينا». ثم كشفت لي الباحثة الوثائقية فيلم جيرار فيرغيز، الذي أدخلت شذرات منه في فيلمي: اتصلت بصديقي فيليب دي فولكو وهو كاتب، وليس سيناريست.. كانت تربطه علاقة وثيقة ببربارة. معاً صرنا مؤرّخَين بالنسبة إليّ، التفتيش هو البحث عن الحجّة التي يجب أن أتوصل إليها.. المشاكل بدأت تظهر الواحدة بعد الأخرى: تأليف الفيلم، الأمسيات الموسيقية. كما عند المخرج كوبريك في فيلم «نابوليون»، اتّبعنا كرونولوجي يوماً بعد يوم، نريد أن نعرف كل شيء عنها، عن برنامج عملها، في أدق تفاصيله وإلى من قلت: إنها امرأة تبدأ خلف البيانو، ثم تنهض، ثم تتمدد على البيانو.

* ومسألة السيرة؟

- السيرة، بدت بسرعة رهيبة، صارت لعبة سبعة أخطاء، إذاً، جسدت بربارة، نقطة على السطر. لكن تبقى قضية الصوت.. من ناحية لم أجد نفسي مقتنعاً بان أطلب من الممثلة جان، أن «تتمتم»طيلة الفيلم لألصق بعدها صوت بربارة. ثم، من الغريب التظاهر بأن صوتها هو صوت بربارة.

إنها المنتجة مارتين مارينياك، عندما بحت لها بشكوكي، «أنت تخبرني قصة فيلم» أليس كذلك؟ عندما قررنا المضي، والمجازفة بفيلم داخل الفيلم.. وكان ذلك ممكناً لأنه في البداية فكرنا بمشاهد جد بسيطة.. وفي هذه اللحظة قررنا مزج 16م.م بالرقمي، للدخول فعلياً في الصورة كما في «وردة القاهرة الأرجوانية».

* شخصية بريجيت، الممثلة، مؤلفة. نبتعد هنا عن جان باليبار.

- نعم، لأن السؤال كان كيف أن «جان وماتيو يصنعان فيلماً». كان يلزم إدخال قليل من الكوميديا، علماً أن جان تحب كثيراً الذهاب إلى الشخصيات الكوميدية. خلقنا شخصية الممثلة المعروفة قليلاً، التي أتت إلى الولايات المتحدة، بالنسبة إليّ ألعب دور رجل غارق في عشق بربارة. حاولت التنكر، بصباغ أشقر، وخواتم.

*ماذا يشبه السيناريو؟

- يشبه فيلماً يجري اليوم، كل شيء كان موجوداً هنا، وفي الوقت ذاته كل شيء على التصوير. مثلاً، كنت أعرف أني أريد المشهد بحضور جاك بريل، لكن ما كنت أعرف كيف أوحي حضوره.. فكرت، لحظة، استخدام صوت بريل الحقيقي، الذي يمكن أن نكون سمعناه على التلفزيون.

لكن، في النهاية، يجب على المخرج أن يقدم الحضور، الذي يأتي نفسه تقديم مشروع بريل إلى بربارة. فالمشهد إذاً مرتجل، لكنه خاضع للتفكير العميق أيضاً، لأنني كنت أعرف أنني أريد أن أتكلم عن هذا السيناريو المكتوب لبريل، لهما معاً.

* هل اختيار الأغاني ساعدك على بناء الخيالي؟

- نعم، كانت مرحلة أساسية. كان أمامنا اختيار الكلاسيكي المتعلق بسماع أغانيها في ترتيب كرونولوجي. أولاً، أغاني الآخرين، ثم أغاني بريل وبراسنز، ثم أغانيها.

* يذهب الفيلم بعيداً في دوار التجسيد، خصوصاً في المشاهد المركزية حيث صور أرشيف بربارة تطلع من دون عبارة... حذار...؟

- إنه فيلم عن الإيمان، فكرت كثيراً برتيه. يكفي مشاهدة فيلم له لأقول لنفسي كل شيء ممكن. أحد نماذج التجسيد يتلعق بمزج صور بربارة وصور الممثلة جان. خطرت لي فكرة استخدام فيلم «فيرغيز»، لأنه إذا نظرنا إليه نرغب في المدى - النقيض، لمعرفة من كان معها.. وهنا تظهر الشخصيات ثم تحل جان محل بربارة في المشهد التالي. إنها حيلة. كنت أريد أن يتجاوز المتفرج قضية الحقيقي والخطأ على قصة هذا التجسيد، فيلم هتشكوك «فيرتيغو» هو لعنة. انطلقت من فكرة أن المخرج سيسجن بربارة، أن يفخخ في الديكورات. ثم وقبل التصوير مباشرة قلت إنه أجمل ترك الممثلة حية وتطير. وإنه يجب منح القفص لها، وجعلها تتمتع بالحرية الممكنة.

* أين في هذا الاتجاه، نحو الحرية، انتقلت الممثلة جان باليبار؟

- نعم، تتمتع جان بمخيلة غنية، من المسرح، والأقنعة، والميثولوجيا.. إنها توسع كل شيء، تجعل من بربارة شخصية من حكايات الساحرات، إنها «كروبلا»، انها نوسفيراتو، القناع الأبيض، المهرج الأسود. وما أنقذنا، أن هذه المرأة، تحولت بالنسبة إلينا شخصية خيالية. ثم هناك المدى الواسع للصوت مررت على جان وهي لتحل مع أستاذها الموسيقي، وأحياناً صورتها.. شاهدتها وهي تتدرب.

لقد فهمت جسد بربارة في هذه اللحظة بالذات «الانطلاق، السرعة، الكبارية». وكانت بربارة تلين بسرعة لكي لا تبكي. والرقمي رائع، لأنه يمكن أن نصور ساعة، ويعني جان تجد بربارة وهي تغني، في منتصف اللقطات.

في لحظة ما، أحسست بشكل من الغيرة من جان من أجل بربارة... ما عادت تسنطيع سماعنا نتكلم عنها، ووضع أنف مستعار.

عندها قلت لها «اتركي بربارة». لكن السينما تسمح بالتحول، بالانبعاث، وإذا نجح ذلك، فيجب علينا أن نرى بربارة عبرها.

ترجمة وتقديم: بول شاوول

1 - مشهد من فيلم «بربارة»

2 - لقطة

3 - المخرج ماتيو أمالريك أثناء التصوير