أعلنها ترامب: القدس عاصمة إسرائيل.. قال إن القرار تأخر فأقدم حيث لم يجرؤ أي من أسلافه في البيت الأبيض، الذين تفادوا ذلك ليس حباً بالمسلمين بل تقديراً للعواقب. لم تثنهِ مناشدات وتنبيهات وتحذيرات الجميع، وحتى أقرب حلفاء واشنطن، من أن هذه الخطوة ستفتح باباً جديداً لجهنم في منطقة اعتادت العيش مع شياطين الاحتلالات والاستيطانات والحروب والإرهابات بخلفيات الحقوق المقدسة. وعد ترامب خلال حملته الانتخابية بذلك وها هو ينفذ: أورشليم لبني إسرائيل. قبل 100 عام كان وعد (بلفور): فلسطين لبني إسرائيل.. فصار تاريخ المنطقة سلسلة من مجازر ومحارق لم تتوقف بعد..

إنه «وعد ترامب»..

وحده نتنياهو هتف: هذا «حدث تاريخي»، فيما بدأ العالم، بمسلميه ومسيحييه، يحسب كم ستكون كلفة هذه «الخطيئة التاريخية» على الجميع، بما في ذلك الأميركيون والإسرائيليون.

ليست القدس أول مدينة يخسرها العرب.. حيفا ويافا، دمشق وحمص وحلب، بغداد والموصل وأربيل.. وأخيراً صنعاء.. لكن القدس مدينة المسجد الأقصى وقبة الصخرة، القبلة الأولى والإسراء لمليار ونصف مليار مسلم، لم يبالِ ترامب بمشاعرهم، موقداً ناراً جديدة للتطرف في وقت تنصب كل الجهود في البحث عن ركائز اعتدال وتسامح.

أنهى «وعد بلفور» السلام، فكانت نكبة ونكسة وخيبات.. «وعد ترامب» سينهي التسوية. مَن سيصدق بعد الآن «حل الدولتين» و«الأرض مقابل السلام»؟ رسم الوعد الجديد المشؤوم لترامب «الوضع النهائي» وأسقط جدوى التفاوض..

وهكذا بشحطة قلم ألهب الرئيس الأميركي دونالد ترامب الشرق الأوسط والعالم الإسلامي وتوالت ردود الفعل الغاضبة والمنددة بقراره المخالف للقرارات الدولية، وتخلى بشكل مفاجئ عن سياسة أميركية قائمة منذ عقود، واعترف بالقدس عاصمة لإسرائيل في تحدٍ لتحذيرات من شتى أنحاء العالم من أن هذه الخطوة ستزيد الاضطرابات في الشرق الأوسط.

وفي خطاب في البيت الأبيض قال ترامب إن إدارته ستبدأ عملية نقل السفارة الأميركية في تل أبيب إلى القدس والمتوقع أن يستغرق أعواماً، وهو تحرك تحاشاه أسلافه من أجل عدم إلهاب التوتر في المنطقة.

ووضع القدس، التي تضم مواقع مقدسة عند المسلمين والمسيحيين واليهود، من أكثر القضايا الشائكة في جهود السلام المستمرة منذ فترة طويلة. ولا يعترف المجتمع الدولي بسيادة إسرائيل على المدينة بأكملها ويعتقد أن وضعها يجب أن تحدده المفاوضات.

وقال ترامب «لقد قررت أن هذا هو الوقت المناسب للاعتراف رسمياً بالقدس عاصمة لإسرائيل... وفي حين أن الرؤساء السابقين جعلوا هذا وعداً انتخابياً كبيراً فقد فشلوا في الوفاء به. وها أنا اليوم أفي به».

وقال ترامب إن تحركه يعكس واقع القدس كمركز للديانة اليهودية وحقيقة أن المدينة مقر الحكومة الإسرائيلية.

وتصرف ترامب بموجب قانون أميركي صدر عام 1995 يُلزم الولايات المتحدة بنقل السفارة الأميركية إلى القدس. وأجل أسلافه بيل كلينتون وجورج بوش وباراك أوباما ذلك القرار لتجنب إلهاب التوتر في الشرق الأوسط.

ووقع ترامب أمراً استثنائيا يؤجل نقل السفارة من تل أبيب إذ إن الولايات المتحدة ليس لديها مبنى في القدس لنقل السفارة إليه. وقال مسؤول كبير بالإدارة إن ذلك قد يستغرق ثلاث إلى أربع سنوات.

ويقوض قرار ترامب دور الولايات المتحدة التاريخي كوسيط في الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني ويؤدي إلى توتر العلاقات مع حلفائها العرب الذين تعول عليهم واشنطن لمساعدتها في الوقوف في وجه إيران ومحاربة المتشددين.

وتعتبر إسرائيل المدينة عاصمتها الأبدية والموحدة وتريد أن تُنقل إليها كل السفارات. لكن الفلسطينيين يريدون الشطر الشرقي من المدينة عاصمة لدولتهم في المستقبل. واحتلت إسرائيل القدس الشرقية العربية في حرب عام 1967 وضمتها في وقت لاحق.

ويتوقع أن يجتمع مجلس الأمن بناء على طلب من ثمانية بلدان نهار الجمعة المقبل لبحث قرار ترامب حول القدس.

وجاء في بيان للبعثة السويدية في الأمم المتحدة أن «بعثات بوليفيا ومصر وفرنسا وإيطاليا والسنغال والسويد وبريطانيا وأوروغواي تطلب من الرئاسة» اليابانية لمجلس الأمن «عقد اجتماع طارئ للمجلس (...) قبل نهاية الأسبوع».

وفي رام الله وصف الرئيس الفلسطيني محمود عباس القدس بأنها «عاصمة دولة فلسطين الأبدية».

وفي خطاب مُسجل بثه التلفزيون الفلسطيني رفض عباس إعلان ترامب ووصفه بأنه يُمثل «إعلاناً بانسحاب واشنطن من الدور الذي كانت تلعبه خلال العقود الماضية في رعاية عملية السلام».

ورأى عباس أن «هذه الإجراءات تمثل مكافأة لإسرائيل ولاحتلالها واستيطانها».

وقالت الفصائل الفلسطينية العلمانية والإسلامية في بيان مشترك إنها دعت إلى إضراب عام ومسيرات احتجاجاً على اعتراف ترامب بالقدس عاصمة لإسرائيل.

واستجابة للدعوة إلى الإضراب المقرر الخميس أعلنت وزارة التعليم الفلسطينية يوم عطلة وحثت المعلمين والطلاب على المشاركة في المسيرات المزمعة في الضفة الغربية المحتلة وقطاع غزة والمناطق الفلسطينية في القدس.

وقالت حماس إن اعتراف ترامب بالقدس عاصمة لإسرائيل وقراره نقل السفارة الأميركية إلى المدينة هو «عدوان صارخ على الشعب الفلسطيني». ودعت العرب والمسلمين «إلى اتخاذ قرارات لتقويض المصالح الأميركية في المنطقة».

وأضافت حماس «ندعو منظمة التحرير والرئيس محمود عباس إلى سحب الاعتراف بإسرائيل وإلى إلغاء اتفاقية أوسلو رداً على إعلان ترامب».

وقال الفلسطينيون إن تحرك ترامب يعني «قبلة الموت» لحل الدولتين الذي يشمل دولة فلسطينية في قطاع غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية التي احتلتها إسرائيل عام 1967.

وقالت الرئاسة المصرية إن الرئيس عبد الفتاح السيسي أبلغ الرئيس الفلسطيني في اتصال هاتفي رفض مصر لقرار ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل وأية آثار مترتبة عليه.

وأضافت أن الاتصال الذي أجراه عباس بالسيسي «تناول بحث تداعيات القرار الأميركي.. في ظل مخالفة هذا القرار لقرارات الشرعية الدولية الخاصة بالوضع القانوني لمدينة القدس، فضلاً عن تجاهله للمكانة الخاصة التي تمثلها مدينة القدس في وجدان الشعوب العربية والإسلامية».

وفي القاهرة كذلك حذر شيخ الأزهر أحمد الطيب من «التداعيات الخطيرة» لقرار ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، وقال إن القرار تجاهل مشاعر أكثر من مليار ونصف المليار مسلم حول العالم.

كذلك رفضت دول عدة قرار ترامب، وفي هذا السياق برز الاتصال الهاتفي بين الملك السعودي سلمان بن عبد العزيز والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وقالت وكالة الأنباء السعودية (واس)، إن خادم الحرمين الشريفين تلقى اتصالاً هاتفياً من الرئيس التركي جرى خلاله «استعراض أبرز تطورات الأحداث في المنطقة والجهود المبذولة تجاهها».

وقال الرئيس التركي إن القرار الأميركي المحتمل حول القدس، «باطل سواء أمام الضمير أو القانون أو التاريخ».

وشهدت مدن تركية انطلاق مجموعة من المظاهرات والمسيرات الاحتجاجية، للتنديد بالاعتراف بمدينة القدس المحتلة عاصمة لإسرائيل.

واعتبر الأردن أن اعتراف ترامب بالقدس عاصمة لإسرائيل يُشكل خرقاً للشرعية الدولية والميثاق الأممي.

ونقل بيان رسمي عن وزير الدولة لشؤون الإعلام والناطق الرسمي باسم الحكومة محمد المومني قوله إن «قرار الرئيس الأميركي الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل سفارة واشنطن إليها، يُمثل خرقاً لقرارات الشرعية الدولية وميثاق الأمم المتحدة».

وعبر المومني عن «رفض المملكة القرار الذي يزيد التوتر، ويُكرّس الاحتلال»، وأوضح أن «هذا الاعتراف باطل قانوناً كونه يُكرس الاحتلال الإسرائيلي للجزء الشرقي من المدينة الذي احتلته إسرائيل في حزيران عام 1967».

وقالت وكالة المغرب العربي للأنباء إن المغرب استدعى القائم بالأعمال الأميركي للإعراب عن القلق العميق بشأن قرار واشنطن الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل.

وقالت وزارة الشؤون الخارجية الإيرانية في بيان نشره الإعلام الرسمي إن إيران «تندد بشدة» بقرار الولايات المتحدة. وقال البيان إن الإجراء الأميركي انتهاك للقرارات الدولية.

ولا توجد لأي دولة سفارة في القدس. وسبق أن كان لدولتين صغيرتين من أميركا اللاتينية، هما السلفادور وكوستاريكا، سفارتان في القدس قبل نقلهما إلى تل أبيب في 2006 قائلتين إنهما تريدان الالتزام بالمعايير الدولية.

ومنذ توليه السلطة في كانون الثاني وجه ترامب السياسة الأميركية لصالح إسرائيل معتبراً إياها حليفاً قوياً.

ويفي قراره بشأن القدس بتعهد انتخابي وسيرضي القرار على الأرجح الجمهوريين المحافظين والمسيحيين الإنجيليين الذين يشكلون نسبة كبيرة من قاعدة أنصاره. وخلافاً لذلك لا توجد فوائد سياسية واضحة بالنسبة له.

وقال السفير الأميركي السابق لدى إسرائيل دانيال كيرتزر «لا يمكنه توقع أن ينحاز بشكل كامل مع إسرائيل بشأن معظم القضايا الحساسة والمعقدة في العملية وفي الوقت نفسه يتوقع أن يرى الفلسطينيون الولايات المتحدة وسيطاً أميناً».

وأضاف أن «رغبته المعلنة للتوصل إلى الاتفاق الأحادي هي الآن ضحية لسياسته الخرقاء».

دولياً، دعا البابا فرنسيس لاحترام «الوضع الراهن» في القدس قائلاً إن أي توتر جديد في الشرق الأوسط سيؤجج الصراعات في العالم. وعبّرت الصين وروسيا عن مخاوفهما من أن الخطط قد تزيد من الأعمال القتالية في المنطقة.

وخلال زيارة للجزائر وصف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون تحرك ترامب بأنه «مؤسف وفرنسا لا تؤيده ويتناقض مع القانون الدولي وقرارات مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة».

وقال ماكرون إن «وضع القدس قضية أمن دولي تهم المجتمع الدولي بأسره. وضع القدس يجب أن يقرره الإسرائيليون والفلسطينيون في إطار مفاوضات تُشرف عليها الأمم المتحدة».

وتابع قائلاً إن «فرنسا وأوروبا ملتزمتان بحل الدولتين - إسرائيل وفلسطين - تعيشان جنباً إلى جنب في سلام وأمن داخل حدود دولية معترف بها، وأن تكون القدس عاصمة للدولتين»، مضيفاً أن باريس مستعدة للعمل مع شركاء للتوصل إلى حل.

وأضاف «أدعو الآن للهدوء وأن يتحلى الجميع بالمسؤولية. علينا أن نتجنب العنف بأي ثمن وأن نشجع على الحوار».

وأعلنت رئيسة الحكومة البريطانية تيريزا ماي في بيان أن المملكة المتحدة «لا توافق» على قرار الرئيس الأميركي الاعتراف بالقدس عاصمة لدولة إسرائيل.

وقالت ماي في بيان «نحن لا نوافق على القرار الأميركي نقل السفارة من القدس والاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل قبل التوصل إلى اتفاق نهائي حول وضعها»، معتبرة أن هذا القرار «لا يساعد بشيء» في التوصل إلى السلام في المنطقة. وأكدت أن السفارة البريطانية في إسرائيل ستبقى في تل أبيب.

وتابعت ماي «موقفنا من وضع القدس واضح وقائم منذ زمن طويل: لا بد أن يتحدد في إطار تسوية يتم التفاوض بشأنها بين الإسرائيليين والفلسطينيين ويجب أن تكون القدس في نهاية المطاف عاصمة للدولتين الإسرائيلية والفلسطينية». وأضافت «نحن نعتبر القدس الشرقية جزءاً من الأراضي الفلسطينية المحتلة».

وقالت المستشارة الألمانية انغيلا ميركل إن ألمانيا لا تؤيد قرار إدارة ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل. ونقل المتحدث باسم الحكومة عن ميركل قولها في تغريدة على تويتر «الحكومة الألمانية لا تؤيد هذا الموقف لأن وضع القدس يجب أن يتحدد في إطار حل الدولتين».

وقال الأمين العام للمنظمة الدولية أنطونيو غوتيريس إنه لا بديل عن حل الدولتين. وأضاف «لا توجد خطة بديلة». وأوضح «تحدثت بشكل مستمر ضد أي إجراءات أحادية الجانب تعرض للخطر فرص السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين».

وأعربت وزيرة خارجية الاتحاد الأوروبي فيديريكا موغيريني باسم الاتحاد الأوروبي عن «بالغ القلق» إزاء قرار الرئيس الأميركي الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل. وقالت في بيان «يُعرب الاتحاد الأوروبي عن بالغ قلقه إزاء إعلان الرئيس الأميركي ترامب حول القدس، وما يمكن أن ينتج عن ذلك من تداعيات على فرص السلام».

وحده رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أشاد بإعلان ترامب ووصفه بأنه «حدث تاريخي» وحث الدول الأخرى على نقل سفاراتها إلى المدينة. وأضاف أن أي اتفاق سلام مع الفلسطينيين ينبغي أن يتضمن القدس عاصمة لإسرائيل.

(أ ف ب، رويترز، واس، الأناضول)