بعد كلامه العدائي للعرب والتبعيّ لـ«المحور الإيراني» بشكل خارج عن أصول السيادة ذات المفاهيم الوطنية الحرّة والمستقلة، لاقى الموقف الذي أطلقه نائب أمين عام «حزب الله» الشيخ نعيم قاسم من طهران أول من أمس سلسلة ردود رسمية مُستنكرة، تقدّمها ردّ حازم من رئيس مجلس الوزراء سعد الحريري آثر عدم الاستفاضة به في هذه المرحلة بغية إعطاء «تثبيت النأي بالنفس فرصة»، مكتفياً بالتشديد على كون ما قاله قاسم «ليس مقبولاً لا من قريب ولا من بعيد»، وتساءل: «هل من مصلحة اللبنانيين أن نختلف مع أشقائنا العرب أو نتدخل بشؤونهم أو نؤذيهم؟ أم مصلحتنا أن يكون هناك نأي بالنفس، وخصوصاً حين تكون هناك خلافات إقليمية كالتي تحصل في اليمن والعراق وسوريا وغيرها؟».

وتوازياً، قوبل كلام قاسم برد عوني واضح يأبى النأي بـ«التيار الوطني الحر» عن مقتضيات «النأي بالنفس» وضرورات تعزيز مفهوم الدولة السيّدة المستقلة عن المحاور الخارجية، بحيث برز تشديد رئيس «التيار» وزير الخارجية جبران باسيل مساءً على أنّ ما قاله قاسم «عن الوقوف إلى جانب المحور الإيراني هو كلام يمثل حزب الله ولا يمثلنا»، مذكّراً بأنّ الحل التسووي الذي أقره مجلس الوزراء يقضي «بعدم تدخل الحزب بالأزمة الخليجية»، وأضاف: «حزب الله يكون قوياً عندما تكون الدولة قوية ولا نقبل بأن يكون لسلاح الحزب دور لا يتفق عليه اللبنانيون».

وكان لرئيس مجلس الوزراء أمس جملة مواقف لافتة خلال استقبالاته في «بيت الوسط»، بحيث أكد على كون القرار الصادر عن مجلس الوزراء في جلسته الاستثنائية «لا علاقة له بسعد الحريري بل بمصلحة لبنان واللبنانيين»، مؤكداً أنه يعتزم «شخصياً متابعة تنفيذ القرار لأن الخروج على هذا الالتزام سيضع لبنان في دائرة الخطر من جديد»، وسط التشديد في مواجهة الحرائق المحيطة بالبلد على أنّ سياسته هي «إبعاد لبنان عن النزاعات والحرائق التي لا مستقبل لها ويبقى الحل الوحيد هو الدولة فحين تقوى تضعف كل الأطراف ويصبح كل الأفرقاء السياسيين سواسية حتى أولئك الذي يحملون السلاح»، وأردف: «حين يكون هناك جيش قوي ومؤسسات قوية وقضاء قوي واقتصاد قوي يستفيد منه جميع المواطنين تصبح الدولة حينها المسؤولة عن كل لبنان».

وفي الشق المتصل بالهواجس الاقتصادية والمالية والمصرفية التي أثيرت في الآونة الأخيرة، برز تأكيد من رئيس مجلس الوزراء رداً على سؤال من وفد اقتصاديي ورجال أعمال طرابلس والشمال حول تصريح وزير الخارجية السعودي عادل الجبير بشأن المصارف اللبنانية ألا خوف على القطاع المصرفي «لأنّ لبنان من الدول القليلة التي تطبق القانون الأميركي على مصارفه»، مشيراً في هذا المجال إلى وجود «تعاون كبير جداً بين وزارة الخزانة الأميركية والمصرف المركزي اللبناني»، وأضاف مطمئناً: «كل القوانين التي فُرضت من قبل الكونغرس نطبقها».

في الغضون، وبينما توالت المواقف والتصريحات الداخلية تعبيراً عن الارتياح الوطني لعودة رئيس مجلس الوزراء عن استقالته ولقرار النأي بالنفس الذي اتخذته الحكومة، وفق ما شدد أمس عدد من المسؤولين وفي مقدمهم رئيسا الجمهورية ميشال عون ومجلس النواب نبيه بري، برز في السياق عينه تنويه إقليمي ودولي بالتطورات الحكومية في لبنان، بحيث رحّب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بعدول الحريري عن الاستقالة وأعلنت الرئاسة الفرنسية في بيان أنّ ماكرون «أحيط علماً بالإعلان السياسي الصادر عن مجلس الوزراء وبتأكيده تبني سياسة النأي بالنفس عن النزاعات في المنطقة»، مع الإشارة إلى أنّ «فرنسا ستتابع باهتمام احترام الأطراف اللبنانية كافة لتعهداتها». وإذ جدد بيان الإليزيه «التزام فرنسا بالوقوف بجانب اللبنانيين وبمواصلة العمل لتعزيز استقرار وأمن وسيادة لبنان بالتنسيق مع السلطات المحلية وكل المجتمع الدولي»، ذكّر بأنه «تحقيقاً لهذا الهدف سيفتتح الرئيس ماكرون (غداً) الجمعة في باريس اجتماع المجموعة الدولية لدعم لبنان في حضور الحريري».

كذلك، عبّرت تركيا عن سعادتها «بانتهاء حال عدم اليقين السياسي في لبنان» مع عدول الحريري عن استقالته، وأكدت في بيان صادر عن وزارة خارجيتها التمسك باستقلال الدولة اللبنانية وسيادتها «على أساس التوافق الوطني في لبنان».