«الحب الصاعق» أشعلهما فجأة. كأنما الزمن صار زمنَين، والحب صار من نكهة «الأبدية»، و«من عطر الجنّة». إنه اللقاء الذي جمع عام 1944 ألبير كامو بالممثلة ماريا كازاريس ذات الصوت الأجش. كانت هي في الحادية والعشرين، فائقة الجمال، منفية في عهد فرانكو، بهالة أسطورية توجهها بها كوكتو، كارنية، وبريفير.

أما هو، في الحادية والثلاثين مكللاً بالنجاح منذ صدور كتابه «الغريب»... ذكوري، يحب الحياة، مرح، ودونجوان صديق للنساء.

تمّ لقاء «العاشقَين» عام 1944، بمناسبة قراءة، عند الشاعر ميشال ليريس، و«الرغبة ممسكة من ذيلها» لبابلو بيكاسو؟ كامو يعرض عليها دوراً في مسرحية «سوء الفهم»، ويصبح عشيقها عشية إنزال النورماندي.

هي حرة. هو ليس كلياً: متزوج ولديه أولاد. ينفصلان، بقرار «حب مجنون» وفي نهاية الحرب، لكنهما يلتقيان من جديد بعد بضع سنوات، ثملين ببعضهما، لم يبقَ لهما سوى «عبادة» بعضهما، حتى الموت الذين أعقب ذلك. في 4 كانون الثاني من عام 1960، يموت كامو بحادث اصطدام سيارة، وهو ذاهب للقائها، من دون أن يتمكّن من التكلم مع حبيبته.

من هذا الشغف الملتهب، القوي، العاصف، ولدت مئات الرسائل الرائعة. مراسلات مضيئة، وشهوانية. جمل ماريا قوية وصريحة: أما كامو، فمقيّد - لأن الأمور لم تكن سهلة بسبب - (زواجه). «لا أستطيع أن أعيش من دون حبّك، لكن لا أستطيع أن أعيش بلا احترام» وكلمة «احترام» (أو تقدير)، تمنعه من تطليق زوجته فرانسين.

لا يهم، بقي العشيقان على شفافية كل منهما للآخر، خصوصاً بفضل ماريا التي تحب على الطريقة الإسبانية، من دون حساب، برغم أنها من النوع التكتيكي: إنها «مخلصة غير مخلصة!»، غيورة كما يجب أن تكون، كئيبة عند اللزوم، إخلاص في القلب، لا إخلاص في الجسد: على النمط الكلاسيكي. في العمق علاقة سارتر وسيمون دي بدفوار «أكثر حداثة» من علاقة كامو وماريا.

لكن مرور الأيام والسنوات وتعاقب الظروف، والمغامرات، لم يغيّرا شيئاً من هذه الحكاية الجميلة التي تنسحب على مرحلة ثقافة ما بعد الحرب، فلا «نوبل»، ولا التداعيات السياسية للكتاب كامو «الإنسان المتمرد» ولا الحرب الباردة، ولا المعارك الأيديولوجية، لم تطفئ ولو جمرة من نار حبهما.

من يقرأ هذه الرسائل، أو جزءاً كبيراً منها، يكتشف كامو، الفيلسوف، والمفكر، والكاتب العبثي، والروائي «الصارم» بكتابته، طفلاً يكتب. مجنوناً يهذي. هشاشة الحب، تمنحه قوة العاطفة، وقوة الحب تمنحه شفافية، فائضة بالعواطف، وبالجنون، إلى حدودها القصوى. وأظن يجدر مقارنة كامو وماريا بـ«قيس وليلى»، أكثر مما زعم أراغون في دواوينه الغرامية عن النساء، خصوصاً كتاب «مجون إلسا» الذي يشبّه حبّه بحبّ «مجنون ليلى». إنه غرام كاتب تخلى في رسائله، عن كل حسابات «نخبوية»، أو حتى «جمالية» (بالمعنى البلاغي أو الشعري)، أو «الشكلي»: كلام ينتمي أحياناً إلى «كليشيهات» الرومانطيقيين، أو إلى أساليب العشاق العاديين: عواطف متدفقة، قوتها الجمالية، والشعورية بصدقها، وعمقها العفوي، وظروفها، وضعفها: فضعفها الأسلوبي (الجذاب) من ضعف الحبيبين وقوتهما: كامو في أقصى استسلامه لهذا الغرام، وأقصى استسلامه للدفقات الأولى. لا نجد هنا «حرفية» بودلير في «أزهار الشر» أو قوة لغة فلوبير في «مدام بوفاري»، أو حتى «بلاغية» أراغون المتأثرة بهيغو، وفاليري، وراسين...

لا؟ الحب الجارف.. يجرف معه، كل شيء: الزبد، والماء، والطمي، والأزهار، والألوان.. من دون تردد في جريه، وجنوحه نحو البحر.

اسمتعت بقراءة ما قرأت من رسائل كامو (وإن كان الكتاب يحمل مراسلة من طرف واحد، وإن كنت لم أطلع على رسائل ماريا). لأنه عندما تقرأ كامو وتبريراته أحياناً، ولهفه، وغيرته، وتمسكه بالعلاقة.. كأنما قرأت «أجوبة» لرسائل غير مرئية.. سوى في تضاعيف النصف!

من هنا، لم يمكنني أن أقرأ هذه الرسائل سوى كنصوص شعرية. الحب والشعر: لا حسابات، ولا أفكار، ولا عقلانية، ولا اصطناع، ولا شغل على اللغة.. فقط الشعر ينتصر والحب ينتصر.. وها هو كامو العاشق، بل أجمل العشاق!

هنا ترجمة لعدد من رسائل كامو.

**********************************************

6 تموز 1944

(...) أنا مسرور بأن أعرفك شقراء وذهبية. جمّلي نفسك؛ ابتسمي، لا تتهاوني بنفسك. أريدك أن تكوني سعيدة. لم تكوني إطلاقاً أجمل من هذا المساء، بهذا الوجه المليء بالسعادة، وهذا الإشعاع بالحياة الذي يهزّني دائماً.

(...) إلى اللقاء ماريا - الرائعة - الحيوية - يبدو لي أنه يمكنني أن أستمد كميات من الأوصاف مثل هذه. أفكر فيك بلا انقطاع، وأحبك بكل قلبي.

عجّلي في المجيء، لا تتركيني وحيداً مع أفكاري.. أنا أحتاج إلى حضورك، وإلى هذا الجسد الذي غالباً ما يُليّنني. هل ترين، أمدّ إليك يديّ، تعالي وكوني أمامي، بالسرعة الممكنة. أعانقك بكل قواي.

تموز 1944

أعرف أنه يُقال أحياناً: «الأولى لا شيء من شعور لا يكون كاملاً». لكنني لا أعلن بالمشاعر الكاملة ولا في الحيوات المطلقة. على كائنين يتحابّان أن يدركا حبّهما، أن يبنيا حياتهما وعاطفتهما، وهذا ليس ضد الظروف ولكن أيضاً ضد كل الأشياء التي تحدّ بينهم، تمزّق، أو تزعج أو تثقل عليهم. الحب، يا ماريا، لا يحتل كل العالم بل نفسه. وأنت تعرفين جيداً، أنت ذات القلب الرائع، أننا أعداء أنفسنا الرهيبون. لا أريدك أن تتركيني وأن تفكّري في أي ترك وهمي. أريدك أن تبقي معي، وأن نقضي كل الوقت من حبهما، ومن ثمَّ نحاول أن نقوّيه ونحرّره في النهاية، لكن هذه المرة عبر ولاء الجميع. أقسم أن هذا وحده هو النبل، وهذا وحده في مصاف الشعور المخصص بلا منازع لك.

14 آب 1948

أدخّن إذاً، وأنا أنظر إلى الجبل، عند هبوط الليل. أفكّر فيك. وهذا يصعد كمدّ فيّ.. أحبّك بكل أعماق الكائن. أنتظرك بإصرار ويقين، واثقاً بأننا نستطيع أن نكون سعيدين، مقرراً أن أساعدك بل قواي، وأمنحك الثقة بنفسك. ساعديني قليلاً، قليلاً جداً، وهذا يكفي ليجعلني أرفع الجبال.

الريح تتضاعف. ما ننتظر شبه جري نهر ضخم في السماء.. وليتك تكونين هنا، لكنا نتنزّه معاً! (الليل يهبط). أنت لا تلتقينني سوى في المدن، وأنا لست رجل كهف، ولا رفاهية.

أحب المزرع النائية، الغرف الفارغة، الحياة السرّية، العمل الجيّد. سأكون أفضل إن عشت هكذا، لكن لا أستطيع أن أعيش كذلك من دون مساعدتي.

عندها، تجب الاستقالة، ويجب أن تحبيني بكل نواقصي، ونستمر في سيادة باريس. لكن علينا، أن نمضي ثمانية أيام في الجبل، في الثلج، في الأمكنة الأكثر برّية ممكنة.. هناك، سأضحك، يا حبيبتي. أتخيّل لياليَّ عاصفة! بأن يأتي هذا الطقس سريعاً.

أعانقك بكل قوة هذه الريح التي لا تهدأ.

27 تموز 1949

أنا أيضاً، يا حبيبتي، حلمت وأحلم بحياة معك. لكن مرات سابقة، عندما أكون في مأزق، أحلم باتفاق عالٍ؛ بنوع من الزواج السري، يمكن أن يجمعنا فوق كل الظروف، حيث نكون، أنا وأنت، تربطنا علاقة رائعة، لأنني عن تقويتها، غير صالحة عند الهضبة ولكن لنا، واثقين ببعضنا حتى الموت، كما أشعره، فنعيش ما يعاش، لكن تاركين القلب على غير مساس، حتى في الحياة، عائدين إلى بعضنا بالثقة نفسها، بالذكاء نفسه، بالحنان نفسه (....).

كانون الأول 1949

يقال أحياناً إننا نختار هذا الكائن أو ذاك.

أنت، أنا لم أخسرَك. دخلت، صدفة، ومن ذلك اليوم بدأ شيء ما يتغير ببطء، رغماً عني، رغماً عنك أيضاً أنت التي كنت عندها بعيدة، ثم انعطفت إلى حياة أخرى. ما قلت وما كتبت، وما فعلت منذ ربيع 1944، كان مختلفاً في العمق، عما حدث لي، وفيّ من قبل. تنفّست بشكل أفضل، كرهت أقل الأشياء، أعجبت بشكل حر ما يستحق الإعجاب. قبلك، وخارجك، لم أكن أنتسب إلى شيء.

(...) ليس صحيحاً أننا نصبح أفضل، وأننا نعرف ما ينقضنا دائماً. لكن نقبل، بشكل أو بآخر، ما نحن وماذا نفعل. هكذا نكبر حقاً ونصبح رجالاً. ولهذا، ومن دون أي شك، أمتزج في حبي امتنان كبير.

وقلقي الوحيد أن أشك بقدرتي على إعطائك بقدر ما أعطيتني. أبكي كل دمعة من دموعك، ذلك، لأنني أشعر بأنني بائس وعاجز، ولأنني أبقى ممنوعاً، بصرخة الحنان هذه وبهذا التفاني الذي أبذله.

أصابني منك من الألم أكثر مما كنت أتوقعه من أي كائن: اليوم بالذات، فكرك فيَّ ممزوج بالآلام. ولكن بهذا القدر الكبير من الضيق، يبقى وجهك لي، وجه السعادة والحياة.

لا حيلة لي، لم أفعل شيئاً من أجل ذلك، سوى استسلامي لهذا الحب الذي يحفر الفراغ فيّ، قبل أن يغمرني حتى القلب. مصنوعاً كما أنا، كل شيء بلا جدوى، أعرف ذلك، وسأحبك حتى النهاية (....).

17 آذار 1950

هذه الأيام أنا وفرانسين لا نلتقي أبداً. نبحث عن توازن. بلا جدوى. ومن وجهة النظر هذه، ليس عندي سوى الحزن في القلب. لكنني أستمر (...).

لكن هناك الباقي، الشيء الوحيد الحي والحقيقي فيّ. وهذا ما أحاول قوله؛ يوماً بعد يوم، ما استطعت، حبيبتي، عزيزتي ماريا، استمرّي في تجلية الأمور، واستعيدي حياتك.. فهذا ما أريد منك قريباً قريباً! نعم، سيأتي بعد عدة أشهر مسبقاً صيف مجيد، حار، يذوب كثمرة. آه! أنا قادر جيداً على افتراسك بقدر ما أنا جائع لك. أقبلك أكثر وأكثر، في كل جسدك الصيفي، وفي صدغيك، حيث ينام الحنان.

30 أيار 1950

الطقس حار وثقيل. أحلم بأجساد عارية، بساعات نوم خفيفة، بك. هذه الليلة استيقظت وأنا أناديك. حلمت بأنني في» «كابين»، في المسبح، وأناديك بعدك كما الخلاص. أنت نصري الصغير لطالما أحببتني بهذه الطريقة غير المحدودة أليس كذلك؟ أنا أعيش في القمة، ويمزّقني الفرح دائماً. أحبك..

30 كانون الأول 1959

طيب. الرسالة الأخيرة. فقط لأقول لك إنني أصل يوم الثلاثاء، عن طريق البر، راكباً مع آل غاليمار يوم الإثنين (سيمرّون من هنا يوم الجمعة). سأهاتفك فور وصولي، لكن يمكننا الاتفاق سلفاً على عشاء معاً.

فلنقل مبدئياً، نحسب، صدف الطريق، وسأؤكد لك موعد العشاء بالهاتف. أرسل إليك سلفاً، شحنة من التمنيات الرقيقة، ولتنبثق الحياة من جديد فيك، على امتداد السنة، مانحة إياك وجهك الغالي الذي أحب منذ سنوات طويلة (لكن أحبه قلقاً أيضاً، وبكل الطرق).

أطوي معطفك في الغلاف، وأوافي كل شموس القلب. إلى اللقاء قريباً، يا رائعتي.. أنا جد مسرور برؤيتك بفكرة لقائك من جديد الذي يضحكني وأنا أكتب. أغلقت ملفاتي، وأكف عن العمل (كثير من العائلة، وأصدقاء العائلة).. إذاً ليس عندي أي سبب يحرمني من ضحكتك، ومن أمسياتنا، وكذلك من وطني.

أقبّلك، وأضمّك حتى يوم الثلاثاء، لأبدأ من جديد.

(الكتاب: «مراسلات ألبير كامو وماريا كازاريس» (1944 - 1955).

الناشر: دار غاليمار، 1140 صفحة.

تقديم وترجمة بول شاوول

كلام الصور

1 - كامو في بداية عشقه ماريا كازاريس

2 - ماريا أو «ليلى» كامو

3 - كامو إلى اليمين وماريا بالقميص الأسود