هل «المشكلة» في قرار دونالد ترامب نقل سفارة بلاده إلى القدس، هي في الشكل والتوقيت أم في المبدأ؟ وهل كان يمكن لأي رئيس أميركي، برغم العلاقات «الأبوية» مع إسرائيل التي لا مثيل لها بين أي دولتين، أن يتجرّأ على اتخاذ خطوة على هذا القدر من الرعونة والخطورة، سياسياً ودينياً، لو لم تكن المناخات التي ربطت الإرهاب بالإسلام، قد سيطرت على العالم الحديث وأكملت تعبئته بالتمام والكمال؟

قرار ترامب يدلّ على أمرين بارزين. الأول هو أنّ إدارته غير معنية بمتابعة العملية السياسية التفاوضية بين العرب والإسرائيليين استناداً إلى الأسس التي اعتمدتها الإدارات السابقة. والثاني هو أنّ إدارته غير معنية على ما يبدو، بإنجاح أبرز أهدافها المدّعاة، أي «القضاء على الإرهاب» من خلال ضرب مواقعه وأدواته وتجفيف منابع دعمه، ثم (الأهم) معالجة، أو السعي الإيحائي لمعالجة بعض حججه ومبرّراته المتكئة على، والمستندة إلى حقائق النكبة الفلسطينية أولاً وأساساً وتراكم المعطيات والصور في المخيال الإسلامي العام الدالّة على احتقار (الغرب) العذاب العربي عموماً والفلسطيني خصوصاً والإمعان في الفتك بالضحية والاصطفاف إلى جانب جلّادها!

ليس نزِقاً دونالد ترامب. ولا خفيفاً ولا متهوراً في قراره الراهن، بل يعرف ماذا يفعل! ويبدو أنّه «الأجرأ» بين أسلافه على تنفيذ «قرار مؤجّل» منذ مرحلة ما بعد اعتداءات 11 أيلول 2001، بـ«الثأر» من «هوية» منفّذيها بعد القضاء على هؤلاء جسدياً وتنظيمياً: قَادَ جورج بوش الإبن المعركة الأولى ميدانياً في أفغانستان والعراق. ثم قاد باراك أوباما المعركة الثانية «فكرياً»، من خلال «إيمانه» بمرجعية «بعض النصوص الإسلامية للإرهاب! ثم جاء ترامب (النيويوركي!) في المعركة الثالثة لإكمال الشوط وترسيخ الإزدراء بالقيم التي استند إليها، أو ادّعى الاستناد إليها، هؤلاء الذين تجرّأوا على شنّ عدوان على «الأرض» الأميركية، لم يسبق له مثيل منذ عقود تلت الهجوم الياباني على «بيرل هاربر»!

قبل ذلك كله، يستند ترامب «مبدئياً» إلى فرادة العلاقات الأميركية – الإسرائيلية، وكونها أكبر من السياسة وأَولَى من المصالح، وتستحقّ أن تُبنى من أجلها معادلة حسابية غريبة، كأن تكون تلك العلاقات المتصلة (رقمياً) بنحو سبعة ملايين إسرائيلي (داخل إسرائيل) أهم من العلاقات مع نحو أربعمئة مليون عربي! وأكثر من مليار و300 مليون مسلم! وأن تُبنى كل المقاربات ذات الشأن، للقضية الفلسطينية على بديهة لا تُجادَل ولا تُناقَش ولا تخضع لأي تفاوض، هي «حقّ» إسرائيل في الوجود على ثمانين في المئة من أرض فلسطين التاريخية، ثمّ إخضاع الباقي لمساومة لا تنتهي، تحت مسمّى «عملية السلام»!

لكن برغم هذا، فإنّ الأمر اللافت هو أن يتجاهل ترامب كل الإشارات التي قدّمها بنفسه في الأشهر الماضية، لجهة نقضه «نظرية» أوباما. ثم تصالحه مع فكرة أنّ الغالبية الكاسحة، العربية والإسلامية هي الضحيّة الأولى والفعلية للإرهاب! وأنّ تلك الغالبية وليس نُخبها وحكّامها فقط، متصالحة بدورها مع مبدأ الحل السلمي للنزاع مع إسرائيل... ثم أن يتعامل مع قضية نقل السفارة وكأنّها «القضيّة» الوحيدة العاجلة والطارئة أمامه! ولا شيء آخر يتقدّم عليها، لا الموضوع الكوري الشمالي! ولا «أوضاعه» الداخلية المرتبطة بالتحقيق في الدور الروسي خلال الانتخابات الرئاسية! ولا «الحرب على الإرهاب»! ولا «الموضوع» الإيراني!.. غريب!

علي نون