لا تخرج جريمة قتل علي عبدالله صالح عن السياق الممانع المألوف، بل تخرج من صلبه وزبدته. وتؤكد مجدداً أن المسار الصدامي مفتوح على مداه وأن الكلام الذي يُرمى بين الحين والآخر عن احتمالات تسووية، قائمة أو يتم السعي إليها، ليس في واقع الحال سوى علك لا يُعتدّ به.

الطريقة التي احتفل بها عبد الملك الحوثي بقتل صالح، والتي سرت في كل الجسم الممانع من إيران إلى لبنان مروراً بإعلام بشّار الأسد في دمشق، تدلّ على المدَيَات التي بلغتها طاقة الشحن الفتنوي. وعلى بلوغ الاستنفار السياسي والمذهبي سقوفاً أعلى من كل ما سبق.. وعلى الدأب الذي يعتمده أقطاب المشروع الإيراني في عموم المنطقة لتأكيد تمسّكهم بأوراقهم واستعدادهم لأي شيء في سبيل ذلك.

أي «كلام آخر» خارج هذه المدوّنة غير وارد عند هؤلاء. والمعجم مفتوح على لغتهم: الاستقرار يعني التسليم بسطوتهم ونفوذهم! والأمن يعني تكتيف اليدين أمامهم! و«وحدة الشعب اليمني» تعني الإقرار بتمايزهم وإلا عُمرها ما كانت! والشرعيّة لا تعني شيئاً آخر غير الرضوخ لقرارهم و«مؤسساتهم» وسيادتهم! و«الدولة» مصطلح مطّاط وملتبس إذا كانت تعني طغياناً على «دويلتهم».. والآخر المختلف، داخلياً وخارجياً، هو المعتدي من حيث المبدأ والخبر! و«ذنبه على جنبه» طالما أنّه قرّر البقاء في موقع الاختلاف! وبهذا يصير الضحية منتحراً.. عدو نفسه حيّاً، وقاتلها ميّتاً!

قائد «الحرس الثوري» الإيراني الجنرال محمد علي جعفري رأى في قتل صالح «قضاء على الانقلاب الذي دُبّر ضدّ الحوثي». وقوله هذا يدلّ على القياس المعتمد في طهران بحيث يصير السعي اليمني لإنهاء الانقلاب على الشرعية الدستورية، هو الانقلاب! ودويلة الحوثي هي الدولة! والتصدي لارتكاباتها وغلوّها وسياساتها التي زادت الويلات اليمنية علوّاً وكثافة، هو «مؤامرة تمّ القضاء عليها»، فيما يتوعّد «الرئيس» حسن روحاني «المعتدين» بأن «شعب اليمن سيجعلهم يندمون على أفعالهم»!

اللافت في الأمر هو أنّ الصخب العام الممانع إزاء الموضوع اليمني لا أثر له على الإطلاق إزاء «الموضوع الإسرائيلي» في سوريا مثلاً: تتوالى الغارات الجوّية على مواقع ومنشآت في محيط دمشق تترجم ميدانياً تهديدات بنيامين نتنياهو العلنية والسرّية بأنه «لن يسمح» لإيران ترسيخ وجودها في «القطر الشقيق»، لكن التعامل الممانع معها يتمّ على أساس أنّها تحصل في الأكوادور! أو بوليفيا! ولا تستحق أيّ «تعليق» حتى لو كان من نوع الأنشودة الخالدة القائلة بـ«الرد في الزمان والمكان المناسبَين»!

ذلك الدأب في تأكيد التمكّن والنفوذ في اليمن (والعراق وسوريا) والإصرار على الأجندة النزالية المفتوحة مع دول الخليج العربي، لا يترك «هامشاً» لإسرائيل واعتداءاتها في السلوك الممانع! ولا يلحظ مكاسبها المتراكمة! ولا يستدعي أي مراجعة! الأهم هو أنّ «الشعب اليمني سيجعل المعتدين عليه يندمون»! وأن «الإنقلاب» على الحوثي فشل! ولولا ذلك لكان دونالد ترامب نقل سفارة أميركا فوراً ومباشرة الى القدس.. ولكان الطيران الحربي الإسرائيلي تجرّأ وقصف محيط دمشق؟!