لم يخطئ مسؤولون كويتيون عندما تركوا الباب مفتوحاً أمام كل الاحتمالات بالنسبة إلى مستوى التمثيل في القمة الخليجية رغم تلقيهم تأكيدات سابقة بأن تمثيل بعض الدول سيكون على مستوى القادة. لم يحضر خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز وترأس الوفد السعودي عادل الجبير وزير الخارجية فيما مثّل البحرين محمد بن مبارك والإمارات أنور قرقاش وقطر الأمير تميم وعُمان فهد بن محمود. ومع ذلك، اعتبر الكويتيون القمة مكتملة الأركان كون كل دول مجلس التعاون حضرت بغض النظر عن من يمثل الوفد، خصوصاً إذا كانت هناك مواقف سابقة صدرت من قادة خليجيين تؤكد استحالة المشاركة في قمة تحضرها قطر. وفي هذا الصدد قال أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد في افتتاح القمة أمس: «أتقدم باسمكم جميعاً بالتهنئة لأبناء دول المجلس على نجاحنا في عقد الدورة الثامنة والثلاثين في موعدها المُقرر لنثبت للعالم أجمع حرصنا على هذا الكيان وأهمية استمرار آلية انعقاده مكرسين توجهاً رائداً وهو أن أي خلاف يطرأ على مستوى دولنا ومهما بلغ لا بد وأن يبقى مجلس التعاون بمنأى عنه لا يتأثر فيه أو تتعطل آلية انعقاده». «أهمية القمة تكمن في أنها أنقذت صيغة مجلس التعاون الخليجي من الانهيار بغض النظر عن حل الأزمة مع قطر أو استمرارها»، يقول وزير كويتي في الحكومة المستقيلة شارك في كل مجريات الترتيب للقمة ويضيف: «موافقة دول الخليج على الاجتماع تعني الحرص الجماعي على بقاء هذا الكيان لأن لا بديل له، خصوصاً في هذه الظروف الاستثنائية التي تعصف بالمنطقة وكلها تدل على ضرورة أن نتماسك ولو بالحد الأدنى كما حصل اليوم في الكويت، فحتى لو كنا نتمنى بالطبع أن يكون التمثيل على مستويات أرفع إلا أننا نعتبر الحفاظ على الحدود الدنيا للصيغة انتصاراً لبقاء مجلس التعاون». واعتبر وزير الإعلام الكويتي بالوكالة محمد عبدالله المبارك في تصريح لـ«المستقبل» بعد ختام القمة أن «مجرد انعقاد القمة بكامل أعضاء مجلس التعاون وفي موعدها هو إنجاز في حد ذاته في ظل هذه الظروف». وكان أمير الكويت مباشراً في مقاربته للأزمة الخليجية، إذ قال: «لقد عصفت بنا خلال الأشهر الستة الماضية أحداث مؤلمة وتطورات سلبية ولكننا وبفضل حكمة إخواني قادة دول المجلس استطعنا التهدئة وسنواصل هذا الدور في مواجهة الخلاف الأخير ولعل لقاءنا اليوم مدعاة لمواصلتنا لهذا الدور الذي يلبي آمال وتطلعات شعوبنا». وطالب أمير الكويت «بتكليف لجنة تعمل على تعديل النظام الأساسي لهذا الكيان يضمن لنا آلية محددة لفض النزاعات بما تشمله من ضمانات تكفل التزامنا التام بالنظام الأساسي وتأكيد احترامنا لبعضنا البعض وترتقي بها إلى مستوى يمكننا من مواجهة التحديات الإقليمية والدولية». ورأى مراقبون في إشارة الشيخ صباح الأحمد إلى آلية فض النزاعات «مؤشراً إلى شكل التحرك المقبل بين دول مجلس التعاون كي تكون هذه الآلية مدعومة بضمانات وكفيلة بالحد من الخلافات»، معتبرين أن طريقة حل الأزمة السابقة بين قطر والسعودية عام 2014 «كانت بادرة إيجابية لكنها لم تكن مؤسساتية أو مؤطرة بآلية تمنع تكرار الخلافات». كذلك اعتبر هؤلاء مقاربة الأمير لعدد من قضايا المنطقة وخصوصاً العلاقة مع إيران مدخلاً لتوافق خليجي وبخاصة لجهة تأكيده أن تعامل طهران في المنطقة «ما زال مخالفاً لقواعد العلاقات بين الدول التي ينظمها القانون الدولي والمتمثلة بحُسن الجوار واحترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، ما يشكل هاجساً كبيراً لنا، ونؤكد هنا بأن المنطقة لن تشهد استقراراً ما لم يتم الالتزام الكامل بتلك المبادئ». ورأى وزير خارجية الكويت الشيخ صباح الخالد الصباح، في مؤتمر صحافي مشترك مع الأمين العام للمجلس عبد اللطيف الزياني في ختام القمة، أن انعقاد القمة ومشاركة الدول الست فيها هو رسالة لاستمرار المجلس، وأكد أن أمير الكويت سيواصل مساعيه لرأب الصدع بين الفرقاء الخليجيين. في أروقة القمة التي اختصرت من يومين إلى يوم واحد، دار همس حول تفريق دول المقاطعة بين الحفاظ على مظلة مجلس التعاون وبين حل الأزمة مع قطر. ورأى مشاركون في اجتماع المجلس الوزاري الخليجي أن تقديم الوفد القطري ورقة عن الأزمة إلى القمة ومشاركته مع الوفد العماني في اقتراح صيغ أخرى للبيان الختامي المتعلق بإيران «كانا كفيلين بحسم موضوع تراجع مستوى التمثيل»، فيما اعتبر آخرون أن مشاركة دول المقاطعة «كانت مبرمجة أساساً من أجل الحفاظ على صيغة مجلس التعاون بغض النظر عما قدمته أو ستقدمه قطر». في موازاة ذلك، كان لافتاً أمس الانتشار الإعلامي لخبر الشراكة الاقتصادية والعسكرية والسياسية والتجارية والثقافية بين السعودية والإمارات وتم تناوله في كبريات الصحف العالمية. بيان ختامي وإعلان المجلس الأعلى لـ«مجلس التعاون لدول الخليج العربية» شدد في البيان الختامي للقمة على مواقفه وقراراته الثابتة تجاه لبنان مجدداً حرصه على أمنه واستقراره ووحدة أراضيه. كما أكد على موقفه الثابت بحل الأزمة السورية وفق مبادئ «جنيف 1»، وعلى مواقفه الثابتة تجاه القضية الفلسطينية باعتبارها قضية العرب والمسلمين الأولى، وشدد على ما تضمنه البيان الختامي للمجلس الوزاري لجامعة الدول العربية في اجتماعه الطارئ أخيراً في القاهرة من إدانة لجميع الأعمال الإرهابية التي تقوم بها إيران وتدخلاتها المستمرة في الشؤون الداخلية للدول العربية. وأعرب المجلس في البيان الختامي عن قلقه البالغ تجاه التطورات في العاصمة اليمنية صنعاء وبعض المحافظات التي تقبع تحت سيطرة الميليشيات الحوثية التابعة والمدعومة من إيران. كما شدد المجلس على ضرورة العمل على تجفيف مصادر تمويل الإرهاب والتزام المجلس المطلق بمحاربة الفكر المتطرف للجماعات الإرهابية التي تقوم من خلاله بتشويه الدين الإسلامي الحنيف. وأكد البيان الختامي الحرص على أمن واستقرار ووحدة الأراضي الليبية ومساندة الجهود المبذولة للتصدي لما يُسمى تنظيم «داعش» وغيره من التنظيمات الإرهابية. وأعرب البيان عن دعمه للحكومة العراقية في جهودها لمكافحة الإرهاب ودحره وتحقيق الأمن والاستقرار في العراق، وشدد على أهمية الحفاظ على سلامة ووحدة أراضي العراق وسيادته الكاملة وهويته العربية ونسيجه الاجتماعي ووحدته الوطنية، مجدداً رفضه القاطع للتدخلات الخارجية بشؤونه الداخلية. كذلك صدر عن القمة «إعلان الكويت» الذي دعا الكتاب والمفكرين ووسائل الإعلام في دول المجلس إلى تحمل مسؤوليتهم أمام المواطن والقيام بدور بناء وفاعل لدعم وتعزيز مسيرة مجلس التعاون الخليجي بما يحقق المصالح المشتركة لدوله وشعوبه وتقديم المقترحات البناءة لإنجاز الخطط والمشاريع التي تم تبنيها خلال مسيرة العمل الخليجي المشترك.