ينتظر العرب والمسلمون والعالم بخوف كلمة الرئيس الأميركي دونالد ترامب اليوم الأربعاء، التي سيُعلن فيها قراره بشأن القدس، بعدما بات شبه مؤكد أنه عزم على نقل سفارة بلاده إلى هذه المدينة ذات المكانة العظيمة لدى جميع المسلمين، وهو ما لم يجرؤ عليه أي من أسلافه طوال الصراع العربي - الإسرائيلي، برغم حماسهم لإسرائيل، لإدراكهم مدى حساسية هذه الخطوة التي من شأنها تفجير لغم سياسي ـ ديني ـ تاريخي سيؤدي حكماً إلى إذكاء اضطرابات ونزعات تطرف في منطقة ذات نسيج متفجر أصلاً.

وأثار ترامب قلق العالم فعلاً أمس بسلسلة اتصالات مع زعماء المنطقة بشأن قراره فلقي ردوداً واضحة وقاطعة بأن نقل السفارة إلى القدس لن يعني فقط القضاء على ما تبقى من احتمالات السلام، بل سيكون تجاوزاً لـ«خطوط حمر» ومغامرة غير محمودة العواقب على كافة المستويات اذ «إن من شأن هذه الخطوة الخطيرة استفزاز مشاعر المسلمين كافة حول العالم نظراً لمكانة القدس العظيمة والمسجد الأقصى القبلة الأولى للمسلمين» كما سمع من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز. فهل سيكون لكلام الزعماء العرب تأثير على خيار ترامب؟.

وأعلنت المتحدثة باسم البيت الأبيض ساره ساندرز أمس أن ترامب سيلقي كلمة اليوم بشأن موضوع القدس. وقالت: «أعرف أن هناك الكثير من التساؤلات بشأن مشروع الرئيس حول القدس. إن الرئيس سيدلي بتصريح غداً» بهذا الشأن.

وقال البيت الأبيض أيضاً إن ترامب أكد مجدداً التزامه بإحراز تقدم في محادثات السلام الإسرائيلية – الفلسطينية.

وأعلنت الرئاسة الفلسطينية في وقت سابق أن الرئيس الأميركي أبلغ هاتفياً الرئيس الفلسطيني محمود عباس عزمه على نقل السفارة من تل أبيب إلى القدس.

وكان مسؤولون أميركيون كبار قالوا إن ترامب سيُعلن اليوم على الأرجح الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، بينما سيؤجل نقل السفارة من تل أبيب لمدة ستة أشهر، برغم توقعات بأنه سيُصدر أوامر لمساعديه بالبدء في التخطيط لمثل هذه الخطوة على الفور. لكن المسؤولين قالوا إنه لم يتخذ قراراً نهائياً بعد.

وتصديق واشنطن على زعم إسرائيل بأحقيتها بكل المدينة كعاصمة لها سيقضي على سياسة تنتهجها الولايات المتحدة منذ عشرات السنين، والقائلة بأن وضع القدس يجب أن يُحدد من خلال المفاوضات مع الفلسطينيين الذين يريدون القدس الشرقية عاصمة لبلدهم في المستقبل.

ولا يعترف المجتمع الدولي بسيادة إسرائيل على كل القدس التي تضم مواقع إسلامية ويهودية ومسيحية مقدسة.

وانضم عباس والملك سلمان والعاهل الأردني الملك عبد الله والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، الذين اتصل بهم ترامب، إلى قائمة الأصوات المعارضة التي حذرت من أن أي خطوات أميركية أحادية بشأن القدس ستُخرج جهود السلام التي تقودها الولايات المتحدة عن مسارها وستفجر اضطرابات بالمنطقة.

وفي المقابل، رحب وزير إسرائيلي كبير بقرار ترامب بشأن القدس وأكد أن إسرائيل مستعدة لأي اندلاع لأعمال عنف.

وأكد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، لنظيره الفلسطيني دعم روسيا لاستئناف المفاوضات المباشرة بين فلسطين وإسرائيل حول القضايا المُتنازع عليها، بما في ذلك صفة مدينة القدس.

وقال نبيل أبو ردينة المتحدث باسم الرئيس الفلسطيني: «تلقى الرئيس محمود عباس اتصالاً هاتفياً من الرئيس الأميركي حيث أطلع الرئيس على نيته نقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس».

أضاف أبو ردينة قائلاً إن عباس «حذر من خطورة تداعيات مثل هذا القرار على عملية السلام والأمن والاستقرار في المنطقة والعالم» وأنه ناشد أيضاً البابا فرنسيس وزعماء روسيا وفرنسا والأردن بالتدخل.

وقالت وكالة الأنباء السعودية إن الملك سلمان أكد للرئيس الأميركي خلال اتصال أن «أي إعلان أميركي بشأن وضع القدس يسبق الوصول إلى تسوية نهائية سيضر بمفاوضات السلام ويزيد التوتر بالمنطقة». وأضافت أن الملك شدد كذلك على دعم السعودية للشعب الفلسطيني وحقوقه التاريخية وعلى «أن من شأن هذه الخطوة الخطيرة استفزاز مشاعر المسلمين كافة حول العالم نظراً لمكانة القدس العظيمة والمسجد الأقصى القبلة الأولى للمسلمين».

وقال الديوان الملكي الأردني إن ترامب اتصل هاتفياً بالملك الأردني لإبلاغه نيته المضي قدماً في قرار نقل السفارة الأميركية في إسرائيل إلى القدس.

ونقل الديوان الملكي عن العاهل الأردني إبلاغه ترامب بأن هذا القرار «سيكون له انعكاسات خطيرة على الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط وسيقوض جهود الإدارة الأميركية لاستئناف العملية السلمية ويؤجج مشاعر المسلمين والمسيحيين».

وقال وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي إن الأردن يعتزم الدعوة لاجتماع طارئ للجامعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي يومي السبت والأحد المقبلين لبحث كيفية مواجهة التداعيات «الخطيرة» لقرار ترامب.

وذكر بيان رئاسي في القاهرة أن السيسي أبلغ ترامب أنه لا داعي إلى «تعقيد» الوضع في الشرق الأوسط وذلك بعدما اتصل به ترامب للتحدث بشأن اعتزامه نقل السفارة إلى القدس.

وقال البيان إن السيسي حذر ترامب من القيام بإجراءات من شأنها أن تقوض فرص السلام في الشرق الأوسط.

ولم يذكر أي من بيانات الزعماء العرب هل حدد ترامب، الذي تحدث إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أمس، موعداً لنقل السفارة وهي خطوة أيدتها حكومات إسرائيلية متعاقبة. لكن مسؤولين أميركيين قالوا شريطة عدم نشر أسمائهم إن من المتوقع أن يوقع ترامب على وثيقة أمن قومي، كما فعل أسلافه، بالإبقاء على السفارة في تل أبيب لستة أشهر أخرى لكنه سيلتزم بالتعجيل بعملية النقل. ولم يتضح مع ذلك هل سيحدد موعداً لذلك أم لا.

ويبدو ترامب، الذي وعد خلال حملته الانتخابية الرئاسية العام الماضي بنقل السفارة إلى القدس، ويتوقع أن يعلن عن ذلك في خطاب له الأربعاء، عازماً على إرضاء القاعدة اليمينية المؤيدة لإسرائيل التي ساعدته في الفوز بالرئاسة.

واحتلت إسرائيل القدس الشرقية في حرب عام 1967 وضمتها لاحقاً في خطوة لم تحظَ باعتراف دولي.

وأصدرت القنصلية الأميركية في القدس تعليمات لموظفيها بالبقاء بعيداً عن الضفة الغربية المحتلة وأجزاء من القدس، بعدما أبلغ ترامب زعماء الشرق الأوسط اعتزامه نقل السفارة الأميركية في إسرائيل إلى المدينة المقدسة.

ودعت فصائل فلسطينية في غزة والضفة الغربية إلى احتجاجات ضد تحركات ترامب المتوقعة بشأن القدس.

وقالت القنصلية الأميركية في رسالة أمنية «مع دعوات واسعة الانتشار لمظاهرات تبدأ في السادس من كانون الأول بالقدس والضفة الغربية، لا يُسمح لموظفي الحكومة الأميركية وأفراد أسرهم بالقيام بتنقلات شخصية في البلدة القديمة بالقدس وفي الضفة الغربية حتى إشعار آخر».

وأضافت الرسالة قائلة «ينبغي للمواطنين الأميركيين تجنب المناطق التي تشهد حشوداً أو التي يوجد بها انتشار للشرطة أو الجيش».

وحذّر رئيس المكتب السياسي لحركة حماس اسماعيل هنية من أن نقل الإدارة الإميركية المرتقب لسفارتها من تل أبيب إلى القدس سيُشكل «تجاوزاً لكل الخطوط الحمر».

وقال هنية في بيان إن «إقدام الإدارة الأميركية على الاعتراف بمدينة القدس المحتلة عاصمة لدولة الاحتلال ونقل سفارتها للقدس هو تجاوز لكل الخطوط الحمر».

واعتبر أن ذلك «يُشكل تحدياً صارخاً لكل المواثيق والأعراف الدولية، واستفزازاً كبيراً لمشاعر الأمة العربية والإسلامية، وسيكون بمثابة إطلاق شرارة الغضب الذي ينفجر في وجه الاحتلال».

كما شدد على أن هذه الخطوة «تصعيد خطير يُشكل غطاء أمام حكومة بنيامين نتنياهو (رئيس الوزراء الإسرائيلي) المتطرفة لتنفيذ مخططاتها الإجرامية في تهويد مدينة القدس».

وفي بيان منفصل، دعت حماس «الشعب الفلسطيني بكل فصائله وقواه الحية وشباب الانتفاضة لجعل يوم الجمعة القادم يوم غضب في وجه الاحتلال، رفضاً لنقل السفارة الأميركية للقدس وإعلانها عاصمة للكيان الصهيوني».

كما دعت أيضاً «مقاومة شعبنا في الضفة الباسلة إلى الرد على القرار الأميركي الذي يستهدف قدسنا بكل الوسائل المتاحة».

وأعلن شيخ الأزهر الشريف أحمد الطيب، أن «أبواب جهنم» ستفتتح على الغرب حال إقدام الولايات المتحدة على نقل سفارتها في إسرائيل من تل أبيب إلى القدس.

وذكر المكتب الإعلامي للأزهر، في بيان، أن الطيب «حذر خلال لقائه رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير من اتجاه بعض الدول إلى نقل سفاراتها إلى مدينة القدس». وقال الطيب: «لو فتح باب نقل السفارات الأجنبية إلى القدس، ستفتتح أبواب جهنم على الغرب قبل الشرق».

وأكد أن الإقدام على هذه الخطوة «سيؤجج مشاعر الغضب لدى جميع المسلمين ويُهدد السلام العالمي ويعزز التوتر والانقسام والكراهية عبر العالم».

وقالت مسؤولة السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي فيدريكا موغيريني إن «أي تصرف من شأنه تقويض» جهود السلام الرامية لإقامة دولتين منفصلتين للإسرائيليين والفلسطينيين «يجب تفاديه تماماً».

وقالت إنه «يتعين إيجاد سبيل من خلال المفاوضات لحل مسألة وضع القدس كعاصمة مستقبلية للدولتين» مؤكدة على دعم الاتحاد الأوروبي لجهود كسر جمود محادثات السلام.

وقال ستيفان دوجاريك المتحدث باسم الأمم المتحدة إن الأمين العام للمنظمة أنطونيو غوتيريس حذر من «أي تحرك أحادي قد يؤدي إلى تقويض حل الدولتين».

وأضاف قائلاً للصحافيين في نيويورك «نعتبر دوماً القدس قضية تخص الوضع النهائي وأنه ينبغي حلها عبر المفاوضات المباشرة بين الطرفين بناء على قرارات مجلس الأمن ذات الصلة».

وقال إسرائيل كاتس وزير المخابرات الإسرائيلي الذي قابل مسؤولين أميركيين في واشنطن الأسبوع الماضي في تصريح لراديو الجيش الإسرائيلي «انطباعي هو أن الرئيس سيعترف بالقدس العاصمة الأبدية للشعب اليهودي على مدار ثلاثة آلاف عام عاصمة لإسرائيل».

وعندما سئل هل تستعد إسرائيل لموجة عنف إذا اعترف ترامب بالقدس عاصمة لإسرائيل قال: «نحن مستعدون لكل خيار. أي شيء كهذا يمكن أن ينشب دوماً. إذا قاد أبو مازن (عباس) (الأمور) في هذا الاتجاه إذاً فإنه سيقترف خطأ كبيراً».

وهددت تركيا بقطع العلاقات الديبلوماسية بإسرائيل إذا أعلن ترامب اعترافه بالقدس عاصمة لإسرائيل.

وقال مسؤولون أميركيون بارزون لـ«رويترز» إن بعض المسؤولين بوزارة الخارجية الأميركية يشعرون بقلق بالغ كذلك، من أن مثل هذه الخطوة ستكون لها تداعيات كبيرة على المنطقة.

لكن إسرائيل كاتس لجأ إلى تويتر لانتقاد التهديد التركي وكتب يقول: «نحن لا نتلقى الأوامر أو التهديدات من الرئيس التركي».

وقال مسؤول أميركي إن التقدير الذي اتفقت عليه أجهزة المخابرات بشأن الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل هو أن ذلك يُهدد بإثارة رد فعل قوي ضد إسرائيل وربما أيضاً ضد المصالح الأميركية في الشرق الأوسط.

وقد تخرج جهود السلام الإسرائيلية ـــ الفلسطينية عن مسارها تحت قيادة صهر ترامب ومستشاره جاريد كوشنر.

(أ ف ب، رويترز، الأناضول، روسيا اليوم)