دخل اليمن منعطفاً مصيرياً جديداً، أمس، مع تمكن «الثعبان» الحوثي الموالي لطهران، من توجيه لدغة قاتلة إلى حليفه الانقلابي، الرئيس السابق علي عبدالله صالح (75 عاماً)، المعتاد على «الرقص فوق رؤوس الثعابين» لحكم البلاد طوال عقود، ليرتكب غلطة حياته غير مدرك أن هذا «الثعبان» لا يبالي بأي حليف عندما يقف أمام نزواته، لذا لم يمهله غير ثلاثة أيام للتمرد وعاجله بالموت إعداماً وتشهيراً بجثته ليكون عبرة لمن يجرؤ على الوقوف في وجهه.

الحوثيون احتفلوا بما أسموه «يوماً تاريخياً استثنائياً» متحدثين عن إحباط «مؤامرة كبرى»، وهم لا شك يدركون كما كثيرين أن إعدام صالح سيُرتب حسابات جديدة قد تكون أصعب مما خبروه حتى الآن منذ احتلالهم العاصمة صنعاء، بالوكالة عن طهران، فـ«القتيل» ابن قبيلة وحليف قبائل كبرى وله أنصار كثر ومقاتلون مسلحون ومنظمون يمكن أن يلبوا دعوات الثأر التي أطلقها أقارب القتيل، كما يمكن أن تغريهم دعوة «الشرعية» للالتحاق بها بهدف «إنهاء تسلط» الحوثيين و«فتح صفحة جديدة» في «يمن موحد».

واندلعت جنوبي صنعاء، الأربعاء الماضي، مواجهات بين مسلحي الحوثي والقوات الموالية لحليفهم صالح، وأعلن قياديون في حزبه أن مسلحين حوثيين أعدموه رمياً بالرصاص، بعد توقيف موكبه خلال محاولته مغادرة صنعاء أمس.

وأكّد قيادي بارز في حزب «المؤتمر الشعبي العام» مقتل صالح «رمياً بالرصاص إثر توقيف موكبه قرب صنعاء، بينما كان في طريقه إلى مسقط رأسه في مديرية سنحان جنوب العاصمة».

كما أظهرت لقطات مصورة نُشرت عبر وسائل التواصل الاجتماعي، اطلعت عليها الأناضول، مسلحين تابعين للحوثيين يحملون جثة قالوا إنها تعود لصالح، تحمل آثار الإصابة بطلقات نارية على مستوى رأسه ومواقع أخرى في جسده، قبل وضعه في سيارة تابعة لهم.

كما أظهرت المشاهد التي التقطت في مناطق صحراوية نائية، تأكيد المسلحين التابعين للحوثيين أن المقتول هو الرئيس السابق.

وشهدت مناطق في صنعاء ذات كثافة سكانية عالية قتالاً بين الحليفين السابقين على مدى أيام مع سيطرة الحوثيين على مناطق كثيرة بالعاصمة وتفجيرهم أمس منزل صالح قبل إعدامه، بينما قصفت طائرات مقاتلة للتحالف مواقع للحوثيين.

وكان صالح أعلن السبت الماضي أنه مستعد لفتح «صفحة جديدة» في العلاقات مع التحالف بقيادة السعودية ووصف الحوثيين بأنهم ميليشيا انقلابية، ما أدى لاتهامهم له بالخيانة.

الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي، دعا أنصار سلفه الراحل إلى التحالف مع الحكومة الشرعية ضد جماعة «أنصار الله».

وفي كلمة متلفزة بثتها قناة «اليمن» الرسمية، عزّى هادي في «كل الشهداء الذين استشهدوا في يومنا هذا، وخلال اليومين الماضيين، في انتفاضة صنعاء، وفِي المقدمة منهم الرئيس السابق علي عبد الله صالح، وكل من قضى نحبه من أبطال القوات المسلحة وشرفاء (حزب) المؤتمر الشعبي العام».

وخاطب هادي أنصار حزب المؤتمر الذي كان يتزعمه صالح، بقوله: «تعالوا لنفتح صفحة جديدة، ونضع أيدينا بأيدي (بعض)، لإنهاء تسلط هذه العصابة السلالية الإجرامية (الحوثيين)».

وكان صالح متحالفاً مع جماعة الحوثي، المتهمة بتلقي دعم عسكري إيراني، والتي تقاتل القوات الحكومية اليمنية، المدعومة، منذ 26 آذار 2015، من تحالف عربي، تقوده الجارة السعودية.

وواصل هادي مخاطبته أنصار صالح قائلاً إن هذه هي «اللحظة الفارقة»، و«يكفي شعبنا اليمني هذه المعاناة، التي سببتها له تلك العصابات الإجرامية».

ودعا «كل قواعد وقيادات حزبنا الكبير المؤتمر الشعبي العام (حزب صالح) إلى التوحد خلف قيادتها الشرعية، وخلف الشرعية الدستورية، والحكومة الشرعية». وأضاف: «نحن معكم في خندق واحد، وهدف واحد، إنها معركة الجمهورية والثورة والخلاص من الميليشيات الحوثية الإيرانية المتمردة».

كما دعا هادي اليمنيين في المحافظات الخاضعة لجماعة الحوثي إلى «الانتفاض في وجهها، ومقاومتها ونبذها، وسيكون جيشنا البطل المرابط حول صنعاء عوناً وسنداً لهم، فقد وجهنا بذلك».

وبشأن ما شهدته صنعاء، منذ الأربعاء الماضي، قال الرئيس اليمني إن «صنعاء انتفضت لعروبتها، وستنتصر رغم كل شيء.. صنعاء ستنتصر وستعود عربية (...)، بفضل نضال وتضحيات أبناء شعبنا جميعاً، ودعم ومساندة أشقائنا الكرام في التحالف العربي، بقيادة المملكة العربية السعودية».

وأمر هادي في وقت سابق أمس بإطلاق عملية عسكرية واسعة لاستعادة السيطرة على صنعاء بدعم من التحالف العسكري الذي تقوده السعودية، حسب ما أعلن مصدر في الرئاسة اليمنية.

واعلن رئيس الوزراء اليمني أحمد بن دغر من عدن، أن «الرئيس سيُعلن قريباً عن عفو عام وشامل عن كل من تعاون مع الحوثيين في الشهور الماضية وأعلن تراجعه».

وتخضع العاصمة اليمنية صنعاء لسيطرة الحوثيين منذ 21 أيلول 2014، ما دفع الحكومة الشرعية إلى إعلان مدينة عدن (جنوب) عاصمة موقتة.

وأشاد عبد الملك الحوثي، زعيم الحوثيين، بمقتل صالح وقال: «اليوم هو يوم سقوط مؤامرة الغدر والخيانة واليوم الأسود لقوى العدوان».

وأضاف أن انقلاب المسلحين الموالين لصالح ضد الجماعة التي تؤيدها إيران كان أكبر تهديد يواجه اليمن، ولكن «فشلت وسقطت هذه المؤامرة سقوطاً مدوياً بشكل وجيز جداً خلال ثلاثة أيام».

وتابع الحوثي: «ليست المشكلة مع المؤتمر الشعبي العام كحزب ولا مع أعضائه.. الإخوة في المؤتمر الشعبي العام (حزب صالح) إخوتنا ونحن وهم أصحاب هم واحد ومسؤولية واحدة في الدفاع عن هذا البلد».

ودعا صلاح صالح، نجل الرئيس القتيل، أنصار والده إلى الثأر من جماعة «أنصار الله» (الحوثيين).

وقال صلاح صالح، في سلسلة تدوينات على حسابه الرسمي بموقع «فايسبوك»، والذي يتابعه قرابة 50 ألف شخص، إن الثأر لوالده هو ثأر لكل يمني، مضيفاً: «يا شعب.. الثأر الثأر». وأضاف «قاتلوهم (مسلحو جماعة الحوثيين) أين ما وجدوا.. تحركوا».

وألمح صلاح إلى أن والده تعرض للغدر، وقال «البقاء لله. رحمة الله تغشاك يا أبي، هنيئاً لك الشهادة.. غدروك يا أبي».

يُذكر أن الابن الأكبر للرئيس الراحل العميد أحمد كان قائد قوات الحرس الجمهوري، القوة الأكفأ في الجيش اليمني قبل الانقلاب، يقيم منذ مطلع العام 2015 في دولة الإمارات، بعد أن عُيّن سفيراً لبلاده في أبو ظبي عقب هيكلة الرئيس هادي للجيش في العام 2013.

واعتبر توفيق صالح، نجل شقيق الرئيس الراحل أن جماعة الحوثيين «فتحت على نفسها أبواب جهنم»، في تعليقه على إعدام عمه. وقال في منشور على حسابه في «فايسبوك» إن «الثورة مستمرة والحوثيين إلى زوال ولن تنطفئ الشرارة مهما عملوا».

وقال السفير السعودي لدى اليمن محمد آل جابر في تغريدة على «تويتر»: «دوماً المملكة مع أشقائنا اليمنيين مهما يحدث من جرائم حوثية، وما قام به الحوثي من غدر ونقض للعهود جزء من تربيته الإيرانية»، في إشارة إلى مقتل صالح من دون أن يسميه.

وفي القاهرة أعرب المتحدث باسم وزارة الخارجية المصرية أحمد أبو زيد في بيان «قلق مصر البالغ إزاء التطورات المؤسفة التي يشهدها اليمن الشقيق».

وأضاف أبو زيد أن «مقتل صالح على يد عناصر ميليشيات الحوثي، (يمثّل) تصعيداً خطيراً لحدة الانقسام والتوتر في اليمن».

واعتبر تلك التطورات «انعكاساً آخر لخطورة الأزمة التي يمر بها اليمن في السنوات الأخيرة، نتيجة الانقلاب على الشرعية والتدخلات الخارجية السلبية التي أفضت إلى حلقة مفرغة من العنف يدفع ثمنها الشعب اليمني».

وجدد المتحدث باسم الوزارة تأكيد موقف بلاده الداعي إلى ضرورة الالتزام بالحل السياسي للأزمة اليمنية، محذّراً من «مغبة تحول الوضع في اليمن إلى جرح غائر في ضمير الأمة العربية».

وسيعقد مجلس الأمن الدولي اليوم الثلاثاء جلسة مفتوحة بشأن التطورات الأخيرة الحاصلة في اليمن، بعد مقتل صالح، بحسب المتحدث الرسمي باسم الأمين العام للأمم المتحدة استيفان دوغاريك في تصريحات للصحافيين في مقر المنظمة الدولية بنيويورك.

وجدد دوغاريك دعوات الأمم المتحدة لجميع أطراف الصراع في اليمن لحماية المدنيين والسماح بوصول المساعدات الإنسانية.

وحذر من مخاطر استمرار إغلاق المجال الجوي للعاصمة صنعاء أمام رحالات الإغاثة الإنسانية للأمم المتحدة.

وقال «المجال الجوي لصنعاء مغلق أمام رحلات الإغاثة الإنسانية منذ أيام ونحتاج وصولاً فورياً ومستداماً للمساعدات الإنسانية».

وتابع دوغاريك «نحن منزعجون بشدة من الأحداث التي تتكشف هناك في اليمن، مع اشتباكات أرضية وغارات جوية تتصاعد بشكل كبير في صنعاء والمحافظات المحيطة بها، وتشير التقارير الأولية إلى أن نحو 100 شخص لقوا مصرعهم وأصيب المئات».

وأضاف «من المهم جداً حماية المدنيين، وتمكين الجرحى من الحصول على الرعاية الطبية بشكل آمن، وعدم إعاقة وصول المساعدات الإنسانية المنقذة للحياة».

وذكّر «جميع أطراف النزاع بأن الهجمات المتعمدة ضد المدنيين وضد البنية التحتية المدنية والطبية تُشكل انتهاكات واضحة للقانون الإنساني الدولي وقد تُشكل جرائم حرب».

وقال المتحدث الأممي: «تشهد الأوضاع الإنسانية والأمنية تدهوراً مستمراً فيما تزداد معاناة الشعب اليمني. ومن المقرر أن يعقد مجلس الأمن الدولي الثلاثاء جلسة مفتوحة يستمع خلالها ممثلو الدول الأعضاء لإفادة من المبعوث الأممي إلى اليمن إسماعيل ولد الشيخ أحمد حول التطورات الأخيرة التي شهدتها الساحة اليمنية».

ورداً على أسئلة بشأن تحقق الأمم المتحدة من مقتل صالح قال المتحدث الأممي الرسمي: «تمت إحاطتنا بمقتل الرئيس السابق علي عبد الله صالح وعدد من زملائه».

واستطرد دوغاريك «لكن لا يمكننا تأكيد هذه الأنباء فليست لدينا معلومات موثقة بشأن مقتله.. لقد اطلعنا على أنباء مقتله عبر وسائل الإعلام المختلفة ولم نستطع التحقق من تلك المعلومات حتى الآن».

(العربية.نت، الأناضول، روسيا اليوم، أ ف ب، رويترز)