كان يُمكن للدمار الذي خلفته الحرب السورية، على مشارف دخول الأزمة عامها السابع، أن يكون أقسى بكثير لو أنّ جيلاً بأكمله تُرك في العراء «التربوي»، أو ببدائية تستكين إلى التدريس في الفلاء أو في ظل شجرة أو في غرفة غير معدّة للتدريس أصلاً. إلا أن التشبيك المضني بين لبنان بوزاراته المعنية والمنظمات الدولية منذ بدء توافد اللاجئين، أثمر برامج تستحق الثناء، وليس آخرها حملة «أبطال المدرسة»، وفيها البطولة ليست حكراً على ذاك التلميذ الذي تخطى نزوحه وفقره وعوزه منحازاً إلى حقيبة وأوراق وقلم ومقعد في غرفة بدوام جزئي، وإنما هي ممتدة إلى أبطال واجهوا الإرهاب والجهل بالعلم. أبطال قوامهم إلى التلامذة، الأهالي والمعلمين والإدارات التربوية والمنظمات المانحة والداعمة والشريكة، والذين أطلقوا معاً مشوار العودة إلى المدرسة بإمكانات تسمح بتوفير تمويل طويل الأمد، بما يمكن لبنان الذي يرزح تحت عبء أكبر عدد من اللاجئين الذين يعيشون على أرضه، الاستمرار في تأمين التعليم للجميع ريثما تخولهم الظروف العودة الآمنة. وعلى الرغم من توافر الإمكانات أخيراً، ضمن خطة الاستجابة للأزمة السورية RACE، فإن المعضلة التربوية تكمن في المرحلة الثانوية حيث يوجد 3 في المئة فقط مسجلين في التعليم الثانوي الرسمي، و6 في المئة في التعليم العالي من أصل 205,362 شاباً لاجئاً تراوح أعمارهم بين 15 و24 عاماً في لبنان. وهناك «ما لا يقل عن 488,832 من الأطفال والشباب غير اللبنانيين المستضعفين في سن الدراسة في لبنان (3-18)، بينهم 287,756 خارج المدرسة»، بحسب أرقام مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين ووزارة التربية والتعليم العالي.

توضح رنا عبداللطيف (مسؤولة مشروع مساعد في قطاع التربية) من منظمة اليونيسكو لجريدة "المستقبل"، أنّ حملة العودة إلى المدرسة «أبطال المدرسة» هذا العام، انتقلت من مرحلة التركيز على دخول الأطفال إلى المدرسة، إلى البحث في جودة التعليم والتجربة التي يعيشها الطفل في المدرسة، ودعمت أكثر من 3 آلاف طالب سوري وغير لبناني للالتحاق بالتعليم الثانوي الرسمي العام، ووفرت مواد تعليمية لأكثر من ستة آلاف طالب لبناني وغير لبناني من خلال «مدرسة في حقيبة»، وعملت لتجهيز 265 ثانوية عامة بالقرطاسية والتجهيزات المدرسية، ومنحت نحو 300 شاب لبناني وغير لبناني منحاً دراسية جامعية، إضافة إلى تدريب 400 طالب جامعي على مهارات الوساطة وحل النزاعات، وتدريب 60 مدرساً في الجامعة اللبنانية على تعميم التربية على المواطنة العالمية في مناهج تعليم المعلمين، وتدريب أكثر من 130 معلماً ومديراً حول الحد الأدنى من معايير التعليم في حالات الطوارئ ومهارات العيش معاً لتعزيز التماسك الاجتماعي، وتطوير ثلاثة مقررات جامعية عن الحوار بين الثقافات معتمدة في ثلاث جامعات لبنانية.

وتلفت عبد اللطيف إلى «مشكلات تواجه الشباب غير اللبناني في التعليم ما بعد الأساسي، بينها أن التعليم الثانوي غير إلزامي في لبنان، وهناك انخفاض معدل الالتحاق في الحلقة الثالثة من التعليم الأساسي (من الصف السابع إلى التاسع) وإكمالها، إضافة إلى تحديات منها: التكاليف المتصلة بالتعليم مثل النقل والكتب المدرسية، إمكانية التنقل مقيدة بسبب عدم وجود تصاريح إقامة، صعوبة التكيف مع المناهج الجديدة ولغات التدريس، حاجة الشباب إلى العمل ودعم الأسر، والزواج المبكر بالنسبة إلى الفتيات، الأمر الذي يحد من وصولهن إلى التعليم ما بعد الأساسي».

وعن حملة «العودة إلى المدرسة»، فإنها تشمل أنشطة عدة بحسب عبد اللطيف، منها التنسيق مع الجمعيات في المناطق بغية الوصول إلى العائلات وتوعيتها على ضرورة إرسال أولادها إلى المدارس بغضّ النظر عن الأوضاع الاجتماعية الصعبة. وفي القسم الثاني، تحفيز الإعلام ولا سيما مواقع التواصل الاجتماعي، وكان الفيديو المصور لحملة «أبطال المدرسة» أسهم في التحفيز على حق التعليم للجميع من خلال المخاطبة بعبارات منها: «لأنو كل طفل محلو بالمدرسة، وحتى لو ضيعنا سنين عالمدرسة رح إرجع، كان بدي يساعدني بشغلي بس علمو أهم شغلة، ما رح بطل روح عالمدرسة أنا من جيل الأبطال...».

وتؤكد عبداللطيف بأن الحملة التي يجري التنسيق فيها مع وزارة التربية مفتوحة على مدار السنة وجاهزة لاستقبال أي طفل لا زال خارج المدرسة، إضافة إلى تنظيم دورات مكثفة للتلامذة اللاجئين الذين يجدون صعوبة في الالتحاق بالمنهج اللبناني، وسط تشديدها على كون اليونيسكو تبذل مجهوداً خاصاً لجهة الفئة العمرية من 15 إلى 24، وهي الفئة التي ترتفع فيها نسبة التسرب نظراً للأوضاع الاقتصادية الصعبة التي تعيشها عائلاتهم.