مفارقات مصطلح «لبنان أولاً»!

بول شاوول

«لبنان أولاً» كان أحد أبرز الشعارات في «ثورة الأرز». لكنّه لم يكن وحده. فإلى جواره ومنه «خروج وصاية آل الأسد من لبنان».. «انتفاضة السيادة»، و«الاستقلال»، وكشف قتلَة الرئيس الشهيد رفيق الحريري (مفجّر الانتفاضة بدمه). يعني ذلك أنّ هذا الشعار العالي، يحتاج إلى توابع وخلفيّات لكي يكتمل فلا حريّة ولا ديموقراطية ولا مجتمع مدنياً أو متعدّداً، ولا عدالة، إلّا إذا اقترنت كلها بالاستقلال، ورفض الاحتلال، والتحرّر من «استعباد» نظام البعث لبنان، ومصادرته إرادة شعبه ومؤسّساته واختياراته. فهذه المضامين والخلفيات، ليست مجرد جزئيّات، بل في صلب النضال المتكامل. اجتمع أكثر من مليون مواطن لبناني حول هذه الشعارات، التي تحوّلت حقائق ميدانية، بانسحاب جيش النظام الأسدي، وإنشاء المحكمة الدولية. وقد أدى ذلك إلى تحرير الشارع من قبضة المخابرات، وميليشيات الأسد وربعه في لبنان. وكان بعدها أن أمّت التظاهرات، بحريّة كاملة الشوارع والميادين، سواء النقابية أو الاجتماعية أو السياسية، وكان الشارع محرّماً على اللبنانيين، وإذا خالفوا، فالقمع والاتهامات والسجن ينتظرهم... بعد أكثر من نصف قرن ها هي الميادين خارج قبضة الوصاية.

إنها المحطة الأولى التي رفع فيها اللبنانيون يافطة «لبنان أولاً»، بكل مضامينه...

ثم كان ما كان، من تأليف حكومة مشتركة جامعة برئاسة فؤاد السنيورة، ثم برئاسة سعد الحريري، ثم عاد احتلال الشارع من شبّيحة «حزب الله»، عندما تقدموا على شكلِ الغستابو، وانسحبوا من الحكومة فسقطت. وهذا لا يُنسينا غزوة 7 أيار الإرهابية، أفلت «حزب الله» ونظام الأسد شذاذهما، وميليشياتهما واجتاحوا بيروت، سعياً، إلى تبديل ما في هيكليات الدستور والسلطة.

لكنّ الأمر لم يتوقف عند هذا الحد في محاولات نسف إنجازات ثورة الأرز: الاغتيالات المتلاحقة لرموزها، فسقط كبار الرموز من جورج حاوي إلى سمير قصير إلى بيار الجميّل إلى جبران التويني، إلى محمد شطح، وصولاً إلى وسام الحسن، من دون إغفال اغتيال بعض الضباط خبراء الإنترنت، أو أفراد الجيش كالطيار الذي قتل في سُجُد لأنه انتهك حدود «جماهيرية الحزب الإيراني»...

بدا أن هناك، وللمرة الأولى اتّجاهيَن متصارعَين: فريق الدولة والسلم الأهلي والسيادة والديموقراطية، وفريق العنف والارتهان للخارج والكانتون.

اختلط «لبنان أولاً» هنا بعدة «لبنانات» للخارج، منها «افتراضي»، وتابِعٌ، وقاعدة للترهيب والإرهاب. هذا الواقع بقي منسحباً، حتى بعد اندلاع الربيع العربي، في تونس، ومصر، وليبيا وسوريا.. ثم عدوان الحوثيين في اليمن. والجديد أنّ إيران أمرت حزبها بالذهاب إلى سوريا لإنقاذ طاغيتها، تحت عنوان «مذهبي» (يبشر بصراع مذهبي يحل محل الصراع السياسي) وهو حماية مقام السيّدة زينب.

إذاً، اخترق حزب إيران سيادة لبنان أولاً، بذهابه إلى سوريا كميليشيا مرتهنة، من دون العودة لا إلى الدولة، ولا إلى الأحزاب، ولا إلى الشعب، اخترق إذن «سياسة النأي بالنفس»، وما سمّي بعدها «إعلان بعبدا»، و«مؤتمر الطائف» قبلها.. بلا دستور، ولا أعراف: ثم وسّع الحزب نشاطاته العدوانية على الشعب العربي، في العراق، واليمن والبحرين ليصل إلى إنشاء خلايا إرهابية في الكويت، وقبلها في الإمارات، ليماهي باستراتيجيّته بني صهيوني بتدمير العالم العربي، وتحطيم دوله، وتهجير أكثرياته... وصولاً إلى قصف الرياض.

لكن هذا الأمر حدث جزء منه، وسعد الحريري رئيساً للحكومة، هنا أزمة «لبنان أولاً»، لأنّها تحوّلت مع حزب سليماني إلى لبنان أخيراً وإلى منصّة، مجرّد منصّة «تابعة» لولاية الفقيه، للتآمر العدواني على الشعب العربي. فهناك لبنانان: واحد ينأى بالنفس حفاظاً على لبنان من الحرائق المُشتعلة حوله، وآخر يريد توريط لبنان واستجراره إلى كل هذه المآسي. بين هذين الزمنَين، كأنّما حوار ما يجري بين «المستقبل» و«حزب الله» للحفاظ على الاستقرار. محاولة جعل الحوار الثنائي «غطاءً» للاعتداء على الشعب السوري، والسعودية، والكويت، واليمن. اللعبة الجهنمية ذاتها. وكان أن عبّرت دول الخليج عن إدانتها جعل لبنان قاعدة عسكرية للعدوان عليها. وكان أن شعر الحريري، أن الأمر بات يتطلّب أكثر من حوار جارٍ مع حزب الله!

نعم! كيف يمكن الكلام على نأي بالنفس وفريق حكومي أساسي عمل على استبدال «مقاومته» إسرائيل، بمقاومة الشعب اللبناني نفسه، تحت شعارات طائفية، واستهدافات سنية... فالسنّة على مرمى إيران وميليشياتها، في العراق وسوريا واليمن (ولِمَ لا لبنان!). إذاً، طفح الكيل! ربما طولب لبنان بأكثر مما يحتمل، أو بأخطر مما يقتدر. فـ«لبنان أولاً»، كأنّه ذهب أدراج انقسامات 14 آذار، واختراقات حزب إيران، وتهويلات دائمة بحروب وعنف، مع إنكار هذا الأخير كل تدخل له. (عنزة ولو طارت)، ترافق ذلك مع حملات مسعورة من التحريض والكراهية (المذهبية) على بعض دول الخليج. فاق سلوك الحزب كل حدّ، في سياسة المصادرة، لكل ما هو متصل بدور الجيش، والحكومة: وها هو بمفرده (بأمر من ولي أمره سليماني...) يعلن انتصاره في جرود عرسال ثم البقاع... ويحتفل بذلك، مستبقاً أو محتوياً، انتصار الجيش على الإرهاب الداعشي. ولم يكتفِ بهذا الإذلال للجيش، بل عمد وبحسّ «إنساني» مزيّف كما عبّر أمينه العام، بخطف مسلّحي «داعش» المستسلمين وإجراء صفقة مشبوهة معهم، وأقلّهم في باصات مكيّفة إلى سوريا... تجاوز هنا كل الخطوط الحمر، وكشّر عن نواجزه، «نحن انتصرنا لا الجيش اللبناني». ذلك لأنه ممنوع في عُرف الحزب أن يكون هناك جيش أولاً.. فكيف بالأحرى جيش يبدي شجاعة ومهارات قتالية وتقنيات أدهشت العالم: عاملوا الجيش كما يعاملون الدولة والسلطة..

نقول هذا من دون أن ننسى تصريحات بعض المسؤولين الإيرانيين من رأسهم خامنئي إلى أسافلهم وآخرهم ولايتي على باب القصر الحكومي بعد زيارته الحريري، وكان تصريحاً ينمّ عن قلّة ذوق، ومخالفة للأعراف الديبلوماسية، منخرطاً في «زجليات لبنان ولاية إيرانية». بيروت والجنوب (وصولاً إلى شمالي أفريقيا..). تحت الوصاية الفارسية.

التراكم

كل هذه الأمور المتصلة بسيادة لبنان، واستقلاله، وقراره، تراكمت وتدربكت على الحكومة ورئيسها. وهذا بالذات، السبب الذي جعل الرئيس الحريري، ومن السعودية، يُعلن استقالته، واعتبرها «صدمة إيجابية» بمعنيَيها النفسي والسياسي، لكن الاستقالة لم تمرّ مرور الكرام. الشعب اللبناني كلّه هبَّ أولاً مطالباً بعودة الحريري، وثانياً للالتفاف حول شعاراته «لبنان أولاً»، والعروبة أولاً، و«النأي بالنفس»، ووضع حدود نهائية لممارسات حزب إيران. بدا الحريري من خلال استقالته، وكأنّه «منقذ» البلد، ورهانه على الاستقرار، وتحييده عن مختلف الصراعات، ومنع نشوب أي حرب أيّاً كانت توجّهاتها، من الداخل إلى الداخل، ومن الداخل إلى الخارج، ومن الخارج إلى الداخل. صَون الاستقرار، والانفتاح على العالم كله، من دون ارتهان، أو انقياد لمغامرات أمنية أو عسكرية على غرار ما ارتكب «حزب الله». فهو النقيض. رجل السلم الأهلي.. الاعتدال.. صمام الأمان.. حامي المؤسسات.. كل ذلك استنفرته الاستقالة: والتفّ حوله مئات الألوف من المجتمع المدني، الديموقراطي، المعتدل...

المضامين

هنا، بالذات، ومن الرياض ومن بيروت، رفع الحريري مجدداً «لبنان أولاً»... بمضامينه السيادية، وحياديّته، وآفاقه الاجتماعية وحرياته المدنية. لبنان أولاً كرّرها الحريري مع النشيد الوطني وكأنّها لازمة من لازماته أو نبرة من نبراته. عشرات الألوف جاؤوا لإعلان انتمائهم إلى الحريري كمجسّد لهذه التطلعات، والأفكار التي تعيد إلى لبنان نضارة شعبه وإرادته.

هذا الشعار ملأ الجدران والشاشات والصحف العربية والأجنبية. لكن، ماذا يمكن أن يكون أوحى شعار «لبنان أولاً» بالنسبة إلى الأوروبيين والأميركيين...

شعار الآخرين

هنا الالتباس الكبير، لأنّه تصادف مع الشعار نفسه يطلقه رُعاة العنصرية، والانعزال، والتقوقع، ويرفع راياته غربان الانحطاط، واليأس، والخروج من كنف الديموقراطيات العريقة، وحتى ما يمثّلها في البرلمانات، والدول. شعار «فرنسا أولاً» كما صدح في أصوات مارين لوبان وفانكروفت (فيلسوف آخر زمان)، واليساري المزيف ميلانشون، وفي ألمانيا جماعات «النيو نازية»، والمجر وبولندا... وانكلترا مع الشعوبية تريزا ماي،... وشعارها خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وحتى حلف الأطلسي، ونزعتها ضد الإسلام كمضمون ولغة، وضد المهاجرين والمهجرين... وصولاً إلى ترامب الذي رفع أيضاً شعار «أميركا أولاً»... وأراد تجسيده ببناء جدار بين أميركا والمكسيك، ومنع رعايا ست دول إسلامية من دخول بلده، واحتقاره للسود، وللأقليات...

الشعار ذاته في لبنان... وحيث ذكرنا! لكن إذا كان الشعار مرادفاً حرفياً، فإن مجازاته تختلف مضموناً، وظرفاً وتاريخاً، عن شعار لبنان أولاً. بل هو النقيض تماماً.

ولهذا، ولأن الشعار اللبناني قد ترجم إلى اللغات الأخرى، فمن الممكن أن يكون أحدث التباسات كثيرة: أيكون في لبنان، كما حال بعض الدول الأوروبية وأميركا، إذاً، أيكون ضد الديموقراطية، والانفتاح، والتعددية، والتسامح، والتعايش، ويرفع يافطات اليأس، والعرقية، والنهايات: من نهاية التاريخ، إلى نهاية الإنسان، ونهاية الدولة، والديموقراطية، وثقافة الأمل، والحياة...؟ التباس محتمل بسبب «الجناس» التام بين التعبيرين...

التوضيح

ولهذا، فمن الضروري توضيح هذه الأمور خصوصاً أمام الرأي العام العربي والعالمي... «لبناننا أولاً» لا علاقة له بما يطلقه معادو الانفتاح، والاعتدال، والانغلاق، والتطرف «القومي» أو الديني، أو العِرقي،... حتى شعار «النأي بالنفس» يمكن أن يُفهم على غير ما يعنيه سعد الحريري: فقد يُفهم بأنّه رفع جدران بين لبنان والعالم. وخصوصاً العرب، وكأنّ لبنان جزيرة منقطعة عن أحوال العالم، ومشكلاته، وقضاياه ومآسيه. «نأى»: أي ابتعد. بالنفس: أي بالذات الفردية أو الجماعية: أي التطرف في الانغلاق وما يستتبعه من استنقاع في الهروب، أو التنصل، أو الاختباء، أو التنازل عنه. هذه المشاعر والالتزامات الإنسانية في العالم. وعندها، يُفهم أن لبنان «وطن» لا تربطه صلة بالعالم العربي. أو بالإسلام. أو بالتنوير. أو بالمسيحية. أو بالأفكار. أو بمجريات الأمور.

وهنا يمكن توضيح مثل هذه الالتباسات اللغوية، والسيميائية، والثقافية.

الشخص

ولكن ما وراء كل هذه الشعارات؟ في الظلمة أو في الضوء، «الشخص». أي الشخص الذي يختزل بلاده في حضوره الطاغي - وهذا يفوق خطورة مجمل التشابكات: الأسد لا يقول «سوريا أولاً»، ولا الشعب السوري أولاً، بل «أنا أولاً»، وإذا لم يقبل الشعب نغيّره، أو ننفيه أو نهجّره، أو ندمّره، بكل أمكنته، ولا أظنّ أنه مرّ في التاريخ شخص ما، مهما بلغت نرجسيته المرَضيّة، وميغالومانيته المنفوخة أن يحكم بلاداً بلا شعب، وبلا مؤسسات، كابن حافظ الأسد.

«أنا أولاً» و«ما بعدي الطوفان». حتى لويس الرابع عشر لم تصل به الأمور إلى هذه المدارك الشخصانية وهو القائل «أنا الدولة والدولة أنا». لكن وراء هذه الأنا المتورّمة خسوف في حضور الأسد: فالأنا الخاصة تُحال على رعاته، ومحتلّي بلاده، ممّن أنقذوه من السقوط، لتمضي «أناه» إلى أنا أخرى: تصبح سوريا «بوتين أولاً»، و«خامنئي أولاً»، و«أردوغان أولاً».. أي يصبح الشعار فارغاً، ما عدا أصداء جوفاء.

لكن عرف لبنان على مدى حروب الآخرين عليه، أن انتشار الكانتونات المذهبية المتصارعة، وبروز «أبطال» فيها يعلنون «أنا أولاً».. أنا «زعيم الطائفة» أولاً. لأنّ مختلف الميليشيات كانت من صنع الخارج، يصبح هذا الخارج مجسّداً هو الأول: وقد عرفنا أنّ عملاء سوريا الأوّلين في الواجهة، يخفون صراع دول وراءَهم، تنتصر فعلياً بشعاراتهم: كأن نقول إن وراء هذا «الرمز الداخلي» أولاً، «إسرائيل أولاً»، أو «نظام الأسد أولاً»، أو «ولاية الفقيه أولاً»... إذاً، أوّلاً قد توهم هذا الزعيم بأنّه الفاعل... لنكتشف أنّه المفعول به، أي أنّه مجرّد تابِع، تزويقي، لمن هم خلفه من الخارج. وهكذا ذاب لبنان السيادي، والاستقلالي في حروب الميليشيات، أي في حروب الآخرين. وهذا بالذات ما سمح للوصايات بأن تسود بتحطميها كل أثر، وعلامة، ووجود للبنان. وها هم اليوم رعاة «حزب الله» يصدحون «إيران أولاً في لبنان»، وفي سوريا، وفي اليمن، وفي العراق... أي أنهم تمكنوا من محو كل «أنا» شعبية، أو دستورية، أو حدودية، أو سيادية... ليفرضوا واجهاتهم على لبنان. فحزب الله، لا يختلف في ذلك عن الميليشيات السابقة: لكنه وسّع الإطار. يتقدم كلاعب وهو ملعوب به. يتقدّم كمنتصر، وانتصاره في جيب الخارج.

من هنا بالذات نفهم المفارقات بين شعار 14 آذار الذي استدام مع سعد الحريري «لبنان أولاً». لبنان السيادي، والاستقلالي، الذي لا ينأى بنفسه عن العالم العربي (وهو قِبلته)، ولا العالم (وهو مداه)، ولا مصلحة اللبنانيين (وهي مبتغاه)، ولا إرادة الشعب (وهي فيصله) بل هو دعوة لتحييد لبنان الضاج بالوصايات، عن أزمات هي أكبر منه، وإذا دخلها تذيبه، وتحطّمه.

هنا تحديداً معاني الاستقالة: كفى إيران أولاً، وتعالوا نبني لبنان أولاً. الدولة أولاً. «النأي بالنفس أولاً»... لنكون جاهزين لدور بلدنا الحقيقي: التنويري، الديموقراطي، الواحد، والانفتاحي، والمزدهر بأحلامه وبثقافة الحياة، والتطور والتقدم... والإشعاع.

بول شاوول