جانا حويس

العبور جميل من الحرب إلى السلام. من أبنية «خردقتها» رصاصات القنص وقذائف الحقد والرسائل السياسية والطائفية الدموية، إلى أسطح أبنية خضراء صنعت لوحة فنية مبتكرة تختصر روح المدينة الحقيقية. لا بل إن العبور ضروري من الضغينة والكره إلى الود والتسامح والابتسامات. شغف الحياة وعشق الابتكار وعلاج ندوب الحروب العميقة، فنياً، حلّ مكان جولات الاقتتال التي لم تكد تنطفئ حتى تشتعل من جديد على مدى أكثر من ثماني سنوات. في شارع سوريا في طرابلس أو خط التماس الفاصل ما بين منطقتي جبل محسن وباب التبانة، حيث أن أحداً ليس غافلاً عما تعانيه المنطقة من تقهقر، اختار فريق «أشكمان» تنفيذ مشروعه الفني الأول من نوعه في لبنان وحتى في العالم.

على مساحة 1.3 كلم وأسطح 85 مبنى متلاصقاً، نفذ الاخوان عمر ومحمد قباني من فريق «ASHEKMAN» بتمويل شخصي بأغلبيته ومساعدة 52 شاباً من منطقتي جبل محسن وباب التبانة، لوحة فنية معبرة في اكثر المناطق تضرراً واختباراً للعنف والحرب. صنّاع حرب تركوا أسلحتهم ومتاريسهم، واستبدلوها بأدوات الطرش والطلاء الأخضر، ليقلبوا وجه المنطقة الدموي بكلمة مصنوعة بمهارة من «سينها» إلى «ميمها».

للباحث على تطبيق «GOOGLE MAP» المصغر للكوكب الأرضي وصولاً إلى شمال لبنان، لا بدّ وأن تستوقفه مساحة خضراء متداخلة مع آثار الحرب المدمرة على بقعة من أرض طرابلس الممزقة. أما للداخل إلى شارع سوريا الشعبي المكتظ بالمباني العشوائية، فلن يلحظ أي تغيير بعد استكمال اللوحة. فعلى الأرض مبانٍ مهدمة ومهجورة، أو ربما ما زالت مسكونة بما فيها من بؤس وتشويه وبصمات حرب أهلية عبثية، أرخت بثقلها على جدران مثقوبة وعفن تنامى بفعل الإهمال المزمن. عمل القناصين بات واضحاً. للضرورات اللوجستية اضطروا إلى تغيير معالم بعض الشقق. وصلوا الواحدة بالأخرى داخلياً تسهيلا للانتقال من جبهة إلى أخرى أو الهروب من الموت. ردم لا يزال حتى اليوم يحتل أراضي شقق متضررة، فيما لم يسلم أي من مباني الصف الأول المُطلة على الشارع من الاستهداف المباشر. جدران متتالية متشابهة بالتصميم والمعاناة، مختبر حقيقي لكل أنواع الأسلحة، والرعب والدم والجهل.

يمسك عمر ومحمد قباني خريطة المباني التي ستستعمل سطوحها لتدوين كلمة «سلام»، وهما يشرحان أهمية المشروع الذين رفضا تمويله من أي جهة سياسية في المدينة «الأمر الذي كان من الممكن أن يفقده رسالته الحقيقية». تعاوننا لوجستياً مع جمعية «مارش» الاجتماعية الناشطة في المنطقة وبين الأهالي بشكل فاعل، أسهم في خرق جدار خط التماس المحكم بين أبناء المنطقتين. يقول عمر قباني في حديثه إلى «المستقبل»: «المشروع ليس جمالياً بقدر ما هو تحدٍ فعلي لتغيير الصورة النمطية المعروفة عن المدينة منذ سنين». ويلفت إلى أن «الإعلام العالمي الذي دأب على تغطية مجريات المعارك في شارع سوريا، فقد غطت اليوم كلمة "سلام" الخضراء في الشارع نفسه صفحات صحفه وتقاريره الإخبارية». الرسالة إذاً، وصلت إلى هدفها، بعد ثلاثة أشهر من العمل ميدانياً وسنين من التخطيط ودرس ورسم خطة تنقل المنطقة إلى آفاق المستقبل الجديد.

الفكرة التي أضحت اليوم حقيقة، وهي الأضخم من حيث المشاريع التي نفذها فريق «ASHEKMAN» الذي جال مدن العالم وطبع بصمته الغرافيتية على جدران أحيائه ومبانيه، لن تكون يتيمة. يتحدث عمر عن الكثير من المشاريع المماثلة بضخامتها تعمل الفرقة لتنظيمها في بعض المناطق اللبنانية، كما في بعض مدن العالم. لا شيء أكيداً رغم وضوح الأفكار، إلا أن الانطلاقة من طرابلس كان لها صداها الإيجابي في مناطق عديدة شهدت نزاعات أهلية دموية، نتج عنها تدمير شامل لمعالم الحياة والجمال. وبالرغم من أن كلمة «سلام» يمكن أن تكرس أو تنشر في كثير من الأحياء والمدن اللبنانية، إلا أن خط جبل محسن باب التبانة كان المكان المناسب فعلياً لانطلاقة المشروع.

سينتظر منفذو المشروع سنين وسنين، رحلة كلمة رسخت على أرض متنازعة، ستتغير فيها المباني لأن شيئاً لا يبقى على ما هو عليه. ستتغير الشوارع والأزقة، سيتبدل قاطنو الشقق، وسيتداخل العمران العشوائي الذي بات من المستحيل إعادة تنظيمه بعد اليوم، سيخرق أسمنت بعض المباني المشيدة حديثاً الكلمة المصممة باللون الأخضر، وبالتالي فإن «سلام» ستتبدل، تتشوه، تتباعد أحرفها عن بعض أو ربما تختفي إحداها لصالح طابق سكني أو بسبب إهمال لنظافة الأسطح الخضراء، أو ربما تهدم المباني بفعل حرب من الممكن أن تتكرر في مدينة حاصرتها النزاعات الطائفية، وإن كان القلب يميل إلى قلب الصفحة السوداء نهائياً بعدما أرهقه الإحباط وحطم المستقبل. للمهتم في الأمر سيصر على مراقبة هذا التغيير، من كاميرا طائرة على علو مرتفع او من خلال تطبيق «GOOGLE MAP». أما عمر فيعبر عن شغفه الشخصي في هذه اللوحة تحديداً، رغم كل الرسومات الإبداعية التي نفذتها فرقته وأرست من خلالها فن الشارع غناء ورسماً في لبنان، والأهم من خلال معرفته الوطيدة بحقيقة المنطقة وطابعها الخاص. يجزم بأن الكلمة لن تبقى لسنوات طويلة على ما هي عليه اليوم، ليس بفعل اختفاء الطلاء، فهو أبدي وراسخ لمئات السنين، إلا أن الظروف الاجتماعية الصعبة والمتشابكة سترخي بثقلها على هذا العمل "ما هو مطلوب بعض الشيء" كما يقول، لإمكانية مراقبة واستخراج السلوك الفردي العفوي لمواطنين تعايشوا مع كل معالم الشارع القاسية والغريبة. مع حروبه كما سلامه.