الرحلة لا تزال طويلة في سوريا. ومدوّنة الأوهام في جنيف-8 تبدو الأكثر حضوراً برغم كثافة الجهد المبذول لجمع الضحايا بجلاّديهم، لمحاولة الوصول إلى شيء توليفي يمكن وصفه بـ«الحل السياسي».

وجنيف في الذاكرة السياسية الجمعية العربية مرادفة للفشل، مثلما كان الحال في كل «الجهود» التي بُذلت غداة حرب العام 1973 لـ«تسوية» النزاع المرير مع إسرائيل. بل كانت عنوان تورية وليست تسوية. واستُخدمت بكثافة من قبَل وزير الخارجية الأميركي التاريخي هنري كيسنجر لبلف الجانب العربي! والتغطية على أهداف أخرى، كان «كامب ديفيد» إحداها وذروتها!

حتى في لحظة القرار الفعلي بالذهاب إلى التسوية بعد سقوط «المعسكر الاشتراكي» واتفاق الأميركيين مع رعاة تصفية التركة السوفياتية على إسدال الستار على كتاب الحرب الباردة بمعظم صفحاته، بما فيها «القضية الفلسطينية» وحرب لبنان، لم يذهب أحدٌ إلى جنيف! بل راح مَن راح إلى أوسلو وواشنطن والقاهرة والطائف وغيرها حيث أمكن الوصول إلى خلاصات جدّية وفعلية لا تزال ماثلة أمام أصحابها وكل من سعى إليها وعاصرها!

وجنيف في الجغرافيا رديفة الأمم المتحدة بالسياسة والقرارات. بحيث أنّ المنظمة الدولية يمكن أن تعني الكثير باستثناء وظيفتها الأولى الخاصة بإيجاد حلول للقضايا المتفجرة، أو العمل قبل ذلك، على منع تفجّرها!

وجنيف السورية اليوم لا تختلف في شيء عن جنيف الفلسطينية أو العربية العامة بالأمس.. وكذا الحال بالنسبة إلى القرارات ذات الصلة الصادرة عن مجلس الأمن وأهمها 2254 الذي حكى قبل سبع جولات تفاوضية، عن الانتقال السياسي الذي يعني شيئاً واحداً هو تنظيم خروج رئيس سوريا السابق بشار الأسد من السلطة بعد أن خرج منها عملياً وواقعياً وفقد كل وظائف نظامه باستثناء وظيفة «البراڤان» للروس والإيرانيين، ولم تعد لديه أي سلطة فعلية باستثناء المتصلة بذلك «البراڤان»، أو الغطاء الذي يكشف أكثر مما يستر!

وواهم بالتمام والكمال من يعتقد أن جنيف-8 ستنتج حلّاً مع بشّار الأسد. أو أنّ التركيبة السلطوية المدعومة بالروس حتى إشعار آخر، قابلة أو مستعدّة لقبول «فكرة» المرحلة الانتقالية أو تسليم السلطة إلى غيرها! أو إنها في الأساس مؤهّلة ذهنياً و«تاريخياً» للتكيّف مع فرضيّة أنّها عابرة في حكم سوريا وليست دائمة أو مؤبّدة!

تلك السلطة فعلت كل شيء (تقريباً) لتأكيد عدميّتها التامّة وربط مصيرها الخاص بمصير سوريا أرضاً وبشراً. ولو أمكنها «الاستطراد» في استخدام الكيماوي وكل مشتقاته السامّة في وجه البيئة المنتفضة ضدّها لما تراخت أو قصّرت أو تردّدت لحظة واحدة!

.. وعليه، فإنّ ذهابها إلى جنيف، هو فعل اضطراري وليس إراديّاً. وإجباري وليس اختياريّاً. والذي سحبها غصباً عنها إلى هناك ليست القرارات الصادرة عن مجلس الأمن، بل تلك الصادرة عن الراعي الروسي بحكم التفويض (الدولي) المعطى له، وغير ذلك من أمور تتصل بحساباته ومصالحه!

وهذا الراعي بدوره «يفضّل» سوتشي وأستانة على جنيف! ويفسّر القرار 2254 على ذوقه الخاص. ويأخذ على الوفد المعارض، ليس تمسّكه بحتمية خروج الأسد فقط، وإنما أيضاً ضرورة خروج الجماعات المذهبية التي جاءت بها إيران مع «مستشاريها» إلى سوريا! ويعتبر أنّ المطلبَين «غير واقعيَّين»! ومن صنف «الشروط المسبقة» المرفوضة!

ومع ذلك، فإنّ جنيف-8 هو عنوان بداية مرحلة ما بعد القضاء على «داعش» بكل عناوينها. وهذه تشتمل من جملة مواضيعها على «مصير» الأسد والنفوذ الإيراني، وطبيعة النظام المقبل.. الخ، سوى أنّ ترجمة (أو محاولة ترجمة) ذلك واقعيّاً، يمكن أن تتمّ في أي مكان إلّا في جنيف!