ماذا عن العودة إلى مكانٍ ما بواسطة الصورة الفوتوغرافية؟ وكيف يتحدد أثر الصورة في تفكيك ظاهرة المكان، ومن استحضار تجربةٍ تصويرية أكثر وسعاً وغنائية وغنية بالدلالات والملامح؟ وكيف تعود تلك الأماكن للتواصل مع بعضها كجزء من التحولات الاجتماعية والسياسية والبيئوية؟ ثم هل المكان فقط مساحة جغرافية أم نقطة خيالية، ويعتبر العمل عليها تحدّياً تجري محاولة القبض عليها ومساءلتها بكادر الكاميرا ومحاصرتها والتقاط أصداء تاريخ المدينة من خلالها، وسبر معانيها المادية والاجتماعية والرمزية؟ ويندرج هذا التساؤل في عمل المصوّرة الفوتوغرافية ماري – نويل فتال في ألبومها المصور "BeirutFootsteps" ضمن هذا النوع من التأمّلات والنزهات والدوافع، كما يتجلى من خلال ممارسة فن الشغف والتجريب المصور حول أشكال التمثيل الطوبوغرافي لمشهدٍ طبيعي أو مديني.

«خطى بيروت»، هي نزهة شعرية ومرئية في شوارع بيروت. يتضمن هذا الكتاب الصور المنشورة على صفحة إنستاغرام الخاصة Beirutfootsteps، التقطت بين آذار 2016 وأيار 2017 وأرادت فتال من خلالها إلتقاط أصداء المدينة التي تحبها واستيعاب نبضها، سكانها، أضوائها، الكتابة على جدرانها، شرفاتها، أحيائها، ملامح ذاكرتها التي تختفي شيئاً فشيئاً.

بغلاف أصفر وأزرق وإخراج أنيق، تحاول فتال التنزه في المدينة، بألوانها المتعددة وفقاً للمواسم والفصول الطبيعية، بين اليوميات والتقرير الفوتوغرافي.

الإصدار يحوي أيضاً صوراً تعكس عالم المدينة وشكوكها وتسمح للمكان المصوَّر كمسرح للحدث التصويري بالتجلي مجدداً في طبقات الذاكرة وكما هو في حقيقته وخرافته وفانتازيته وانهياراته.

أهمية كتاب ماري فتال، تكمن في كونه معرضاً للصور وفي كشفه صور مستقاة من حساسية مرهفة في التعلق بالمكان، وما ارتبط بالذاكرة، الأمر الذي يسمح بفهمٍ عميق لإنتاج فوتوغرافي مميز، لأنه بسيط وعفوي وشاعري، كما يسمح بالاطّلاع على الخطوط المستقبلية التي تتبنّاها الفنانة، التي تملك رؤية ما لمدينة ماتت «ألف مرة وعاشت ألف مرة أخرى» (ناديا تويني).

تتناول الصفحات أماكن واقعية وملموسة: أحياء ومنازل مهجورة أو بقيت غير منجزة، وأحياء وأبنية وعمارات ونوافذ وشرفات وشوارع وآثار وبيئة وطبيعة وفصول جديدة من رسم الغرافيك والبوب آرت على الجدران.. وداخل هذه الصور، نستشف عالماً مدينياً في حالة تحوّلٍ، تحاول فيه إعادة تحديد المكان بين أرضٍ مستثمَرة وأرض طبيعية، وملامح من فصول تختفي شيئاً فشيئاً، بين العالم المديني القديم ومختلف تفرّعاته، وبين فضاءٍ صار شبه افتراضي. وبذلك، تشتغل ماري على الصورة الفوتوغرافية لالتقاط وتمثيل التحوّلات المدينية وتحولاتها. ما يُظهر الشغف الكبير بالنشاط التصويري. من هنا أهمية المادة التي تقترح قراءةٍ تأملية، وتعكس حواراً مثيراً ومثمراً بين ممارسة التصوير والتذكر معاً على نحو متقاطع وفي شبه تقرير يومي مصور عن أحوال المدينة.

الهاجسٍ واحدٍ هو التقاط اللحظة الفورية، المُعاشة والتمكّن بالتالي من تذكّرها إلى ما لا نهاية. لكن هل الصورة الفوتوغرافية أو الكتابة تحتها تملكان القدرة الكافية لإعادة ترميم واسترداد جملة الانطباعات التي في الصورة وبطريقة خاطفة. وهل يكفي الشغف الظاهر بالحياة وبجمال المدينة ومعلقاتها التي تشبه عوالم من الدانتيلا الجميلة، وهل تمثل إدراكاً بصيراً من استحضار الزمن الضائع.

فن التصوير تمارسه فتال كهوايةٍ، ضمن هاجسٍ حصري هو التنزه والتذكُّر. لكن مع ميل تأويلي إلى ما يشبه الرسم بواسطة الصورة، الذي يظهر في معالجة مواضيع معينة وبهدف تثبيت مَشاهد محددة. كأن تقوم بتصويرها فوتوغرافياً، خوفاً من ضياع المشهد التي أرادت التقاطه ومشاهدته من جديد ويومياً، ويمكن ملاحظة مستويات من البعد الجمالي حيث تتوالى المناظرالأمامية والمظاهر الجانبية للمدينة، أو الأشياء المختارة التي تقدمها ماري فتال في نسق الصورة الروائية السيارة، وبواسطة التأمّل والتعليق حيناً. واستخدامها التصوير الفوتوغرافي وسيلة للإمساك بالحاضر وتسجيل أحداثه وبأهمية الاحساس التصويري الأول. وأحياناً الصورة الفوتوغرافية ركيزة لالتقاط اللحظة الفارّة وإعادة تشكيلها، والإمساك باشياء منها.

- ماري نويل فتال لبنانية تعمل في مجال التواصل. وبعد أن قضت معظم حياتها في الخارج، عادت إلى لبنان عام 2012. وخلال جولاتها أيام الأحد، بدأت بتصوير المدينة، ثم قررت إنشاء صفحة على الشبكات الاجتماعية لمشاركة صورها. وبعد مرور عام ونصف، جمعتها معا في كتابها الأول.