يقظان التقي

ماذا يمكن أن تقدم الكتابة لما يوقعها مثقف من الدار البيضاء، المدينة التي تعج بالحركة، ويقصدها السواح من كل العالم؟.

ومناسبة السؤال المطروح هو المجموعة القصصية للكاتب المغربي عبد الرحيم التوراني الصادرة عن دار" رياض نجيب الريس" للكتب والنشر، في طبعة أولى، تحت عنوان "نزوات غويا"،

والاجابة على السؤال هي أن "الثراء الإنساني في كتابات التوراني التي تلتقط المفارقات في الواقع، هي من أبرز ملامح الكتابة عنده. اذ يبدأ دوما من العادي باتجاه الخارق، وقد تبادلا الأدوار، إذ المفارقة المثبتة في الواقع، جعلت من العادي خارقا ومن الخارق ونضيف: "إنها حكايات بسيطة في أحداثها، أكثرها تعبر عن موقف بسيط، لكنها تمضي أعمق من السطح، إلى رصد التحول العميق في الذات الإنسانية، في أوضاع حرجة على ركح الوجود. لا يمكن أن يكتب سواه بهكذا انتباه للتفاصيل الصغرى التي تصنع الفرق والمفارقة الواقعية والجمالية.

عنوان المجموعة القصصية يعبر عن عوالم الموضوعات التي يقدمها التوراني بأسلوب مختلف، منتقدا الأوضاع السياسية والاجتماعية بطريقة غير مباشرة، عبر تصوير الاضطرابات التي تسكن النفس البشرية نتيجة الظروف المحيطة، شخصيات غرائبية وكوميديا سوداء، تكشف عيوب المجتمع ولا تغرق القارئ بالكآبة أو البكاء، وإنما تنقله إلى ما وراء العتمة، إلى خاتمات مفتوحة الأسئلة، فلا أجوبة جاهزة أو استنتاجات واقعية، فقط آفاق بعيدة، من سخرية قاتلة حد الموت المعشش في ثنايا النصوص، والمحلقة بعيدا عن العادي والواقعي كما في الاحلام، إلى رمزية وفنتازيا فوق المرئيات.

قصص تغوص في عيوب المجتمع، تنخر السلطة ورجالها وحكام الفساد السياسي والأخلاقي والديني، تفند مظاهره وتأثيراته، في لغة وسرد غني ومميز، يحفر عميقا في اللغة التعبيرية الخاصة.

القصص هي عبارة عن لوحات فنية ساحرة، أشبه بلوحات الفنان الاسباني المشهور فرانسيسكو غويا المعروفة باسم: "النزوات"، والتي عبر فيها عن نقده لفساد البلاط الملكي الاسباني والنبلاء ورجال الدين ومحاكم التفتيش وضحاياها، في أواخر القرن السابع عشر، ساخرا من الواقع الاجتماعي الممتلئ بالرعب من الفظائع التي ارتكبت والشرور التي حكيت في كواليس القصور.

في احدى هذه اللوحات يظهر رجل نائم وقد أسند رأسه ويديه إلى طاولة بينما نحّى قلمه جانبا. وخلف الرجل تظهر مجموعة من البوم والخفافيش الضخمة وهي تصفق بأجنحتها وتصيح. كما يظهر في اللوحة وحشان غريبا الهيئة أحدهما رابض على الأرض وقد صوّب نظراته الشرّيرة إلى الرجل بينما قفز الآخر على ظهره وعيناه تلمعان في الظلم. وعلى مقدّم الطاولة التي ينام عليها الرجل ُكتبت عبارة: "إذا نام العقل استيقظت الوحوش". هذه اللوحة اعتبرت ترجمة بسيطة ومباشرة لأفكار غويا الذي كان يحترم العقل ويؤمن بحرية الفكر.

وهذا بالضبط ما يمكنه القول عن قصص التوراني، الذي لا ينحو بعيدا وهو ينتقد الاستسلام للجهل والخرافة.

لا شك أن تأثير لوحات "النزوات" على الكاتب واضح، ربما كونه أيضا فنان تشكيلي لديه حساسية خاصة تجاه اللوحة التي تقرأ لغتها بالألوان والخطوط المصورة وتترجم بالكلمة عبر الكتابة.

عشرون قصة بين ثنايا الكتاب، حملت العناوين التالية: "الميت الأبكم"، "المديح السفلي"، "موت مجنون"، "ذاكرة الحرب المبتورة"، "نزوات فرانسيسكو غويا"، "رائحة القتل والجنون"، "أفكار بلا أزرار"، "سكرة بجانب الموتى يشرب القهوة من السقف""، "مدونة الغيلم"، "فيلم جديد للمخرج مايكل مور"، "بوحمارة في درب مولاي الشريف"، "أغنام وارانب مغدورة"، "القمقوم"، "سنوات الكلب والنباح"، "الذباب البليد"، "هزيمة حارس المرمى"، "المشنوق يشرب القهوة من السقف"، "البيروقراطي والأرستقراطية"، "القبر الأخير" وأخيرا "إعدام الجثث ذات الدم الحار".

عبد الصمد محي الدين كتب على الغلاف الأخير للمجموعة: " لعل ما يميز عبد الرحيم التوراني، عن غيره من القصاصين والروائيين المغاربيين، علاوة على سلاسة الصوغ السردي، ذلك التوظيف البديع لعبثية الوجود، داخل قوالب تتخذ من التفكه نسيجاً يمْتشِقُ المضامين كسلاح ضد كآبة العالم.

وحتى لا تطغى الكآبة على المدِّ السردي، يوظف الكاتب ما يصح أن نسميه "ما وراء ـ السوريالية" غاية في الحبك التصويري٠

ومن قصة إلى أخرى، تمخر أقدار الشخوص عباب الأحداث في سياق عجائبي بامتياز، دون أن تفقد مثقال ذرة من مصداقيتها الواقعية٠

لذا حق القولُ بالسهل الممتنع إزاء هذه المجموعة القصصية الذكية المضامين، الزاهية الأسلوب.

والتوراني كاتب وإعلامي وفنان تشكيلي من مواليد سنة ١٩٥٦ بالدار البيضاء، المغرب. نشر كتاباته ومقالاته في العديد من الصحف والمجلات المغربية والعربية والأجنبية، مؤسس ورئيس تحرير مجلة "السؤال" السياسية والفكرية. مؤسس ورئيس تحرير الأسبوعية الساخرة "الانتهازي"، أشرف على رئاسة تحرير صحف ومجلات ومواقع إلكترونية مغربية. وأنجز وأخرج عدة برامج وأفلام وثائقية، حاصل على الجائزة الوطنية الكبرى للصحافة المغربية، عضو المكتب التنفيذي للنقابة الوطنية للصحافة المغربية، عضو ملتقى الذاكرة والتاريخ (جامعة الحسن الثاني) بالدار البيضاء.

من أعماله: "قبر المهدي بن بركة"، "صديقي زفزاف: الغيلم والطاووس"، "طريق العميان".

صمم التوراني العديد من الملصقات وأغلفة الكتب والمجلات، شارك في عدد من المعارض الفنية. وترجمت بعض قصصه إلى الفارسية والإسبانية والفرنسية.

يوقع الكاتب مجموعته "نزوات غويا" يوم 11 كانون الأول في معرض الكتاب العربي ــ الدولي في بيروت، في جناح دار الريس للكتب والنشر، من الساعة الخامسة وحتى التاسعة ليلا.