رولا عبدالله

يعتاش الإعلام في الشرق الأوسط من «خبز» منطقة محكومة في تاريخها المشرقي بالنظم التسلطية والحروب «الولادة» وعدم اعتراف الأطراف بعضها بالآخر، مع قابلية للتطرف بحيث يمكن لرجل دين أو سياسي أو زعيم أو ميليشيوي يملك «كاريزما» الشعبية وخصال التهور من تدمير حضارة عن بكرة أبيها. وعليه فإن صحافة الحروب هي الأقرب والأكثر شهرة في منطقة بات لزاماً عليها محاكاة «صحافة السلام» بغية مواكبة التطورات العالمية والمشهد «المعولم». فكيف يكون الانتقال إيجابياً إذا كانت الدعسة الأولى ناقصة لجهة عدم استتباب المشهد الإنساني، وبالتالي تمزّق الحقوق التي تنص عليها الدساتير والشرائع؟ سؤال يمهد للنقاشات التي شهدها المؤتمر الإقليمي «الإعلام والسلام وحقوق الإنسان: دور الإعلام في تعزيز حرية الرأي والتعبير، حقوق الأقليات، والمساواة بين الجنسين من أجل بناء السلام في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا»، وتنظمه منظمة إعلام للسلام «ماب»، برعاية وزارة الإعلام، وبالشراكة مع مؤسسة كونراد أديناور (برنامج دولة القانون في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بالتعاون مع المركز الإعلامي للأمم المتحدة في بيروت).

وإذا كان العنوان العريض للمؤتمر يأتي في ضوء التحولات السياسية والاجتماعية التي تمر بها المنطقة، وفي ظل استمرار الحروب في بعض الدول العربية، إضافة إلى تنامي العنف وخطاب الكراهية، وتصاعد التطرف، وانتشار ثقافة رفض الآخر، فمن الطبيعي أن يخلص المؤتمرون إلى مشهد رمادي يقتضي الحاجة الملحة للتأسيس لثقافة السلام داخل المجتمعات، وقد تكون البدايات من إعلام السلطة بحيث يكون متوازناً، بعيداً عن تصنيف الاختلاف على قاعدة: «معنا» أو «إرهابي»، بعيداً عن الخطابات الشعبوية التي تزكي الانقسامات والتفرقة، ليكون بذلك دور صحافة السلام ليس في الترويج لإحلال السلم الأهلي فحسب، وإنما من خلال المشاركة في وضع الحلول ودعوة المواطن ليكون شريكاً في توطيد حس المواطنية لدى الشركاء في الوطن، ولا توجب الشراكة أن تستغل مواقع التواصل الاجتماعي التي غدت رديفة للإعلام المحلي من أجل الترويج للفضيحة على حساب الحقيقة، أو للانتصار للأكثرية على حساب الأقليات. وفي هذا السياق ثمة مقترح بضرورة تفعيل عمل المجموعات الشبابية لرصد الأخبار المفبركة في الإعلام والمواقع الافتراضية، وبذلك يمكن الانتقال من تخطي «السلام السلبي» إلى «السلام الإيجابي» بما يضمن وجود العدالة الاجتماعية والمحاسبة السياسية والمصالحة الإنسانية.

في المحور الأول بعنوان: «الإعلام والسلام وحرية الرأي والتعبير»، تعالت الأسئلة من مثل: بعد مرور سنوات على الربيع العربي، الذي رافقته تغييرات سياسية كان من المُفترض أن تأتي بأنظمة ديموقراطية عادلة، أين هو الإعلام من أداء واجبه بنقل الحقائق ومحاسبة السلطة بحرية واستقلالية بعيداً عن الضغوط والمصالح السياسية؟ وأين حقوق الصحافي من ممارسة عمله بعيداً عن الرقابة الذاتية والضغوط والاعتقالات والاغتيالات؟ وماذا عن الإعلام الإلكتروني ومواقع التواصل الاجتماعي؟ هل أصبحت البديل للتعبير؟.

برأي الصحافي الاسترالي جايك لينش (رئيس قسم دراسات السلام والنزاع في جامعة سيدني)، فإن مهمة صحافة السلام فهم التنوع، بحيث تقدم المقاربات والتقارير ووجهات النظر المختلفة بما يسمح بالتأسيس لفكر نقدي ترتكز عليه وسائل الإعلام في بناء الحلول بالشراكة مع المواطن، في حين اقتصرت مهمة صحافة الحرب سابقاً بالإضاءة على النزاعات.

وفي حين تلفت ربى الحلو (أستاذة جامعية في الاعلام)، إلى «أننا نتعلم في الصغر بأن الكذب ممنوع من أجل أن نكون أبطالاً، ثم في المجتمع نفسه يحاسب الصحافي والناشط إن أصاب عين الحقيقة، فأي إعلام محايد نسعى اليه»؟، يشكو خالد ابراهيم (مركز الخليج لحقوق الإنسان - العراق) من التعاطي المأزوم مع الصحافي الذي يسعى إلى محاربة الفساد، بدليل الاعتقالات التي تحيله مجرماً لمجرد تغريدة، منبهاً في الوقت نفسه من البرمجيات الخبيثة التي تعمل الدول الكبرى لنشرها من أجل مراقبة بريد وصفحات الإعلاميين، كأن ترسل خبراً عادياً عبر «Link»، ما أن يضغط عليه الصحافي حتى يغدو مراقباً ومكشوفاً في كل ما يرسله ويستقبله.

وتحدثت نزيهة رجيبة (صحافية من تونس)، كيف أن الربيع التونسي أثمر حرية «كما ولدتها أمها»، مختصرة حقبة بو رقيبة الإعلامية بـ: «الديكتاتور الأب، كان يقرأ ثم يؤدب»، في حين مارس زين العابدين بن علي القمع الاستباقي والوقائي بـ«الإقفال»، لتغدو الصحافة في عهده «تمجيد الشخص»، الأمر الذي دفع إلى الانفجار مزوداً بأدوات التعبير:«الانترنت والعالم الافتراضي والراب..».

وتطرقت لجين حاج يوسف (مديرة أخبار راديو روزانة - سوريا)، إلى خطاب الكراهية في الإعلام، مشيرة إلى أنه منذ استخدم إعلام السلطة عبارة «إرهابي» في وصف الأطراف الأخرى المتنازعة، صار المواطن العادي يحكم على الأمور من دون وسطية. وأشارت لجين إلى ضرورة توفير محتوى إعلامي متنوع ومختلف لسوريا بعد نهاية الحرب، لافتة إلى أنها كانت تتهم بالوقف المائع حين تتعامل بوسطية مع الأحداث.

وأضاء جاد شحرور (مؤسسة سمير قصير)، على الانتهاكات الإعلامية التي حصلت في لبنان والمصاعب المادية ومشكلات الصرف التعسفي، متحدثاً عن الإعلام البديل من خلالة تجربة موقع «درج»، الذي تدعمه شبكة الصحافيين الدوليين.

في المحور الثاني، الإعلام وحقوق الأقليات، تساءلت داليا المقداد (موقع تعددية - أديان): «هل الإعلام يعزز السلام أم أنه يسهم في مضاعفة التشنجات؟». وأشار الشيخ ميثم السلمان (مركز البحرين لحقوق الإنسان) إلى «أنه في الشرق الأوسط هناك 47 نقطة توتر بين الإثنيات والمذاهب والأديان، وفي ظل نقاط التوتر لا بد من النظر إلى السلم الاجتماعي والعدالة». ورأى عقيل محفوض (مركز دمشق للدراسات والأبحاث)، «أن القصة قصة إعلام وحرب، وليست إعلام وسلام، فالحرب استمرار للسياسة، والضحية الأولى كانت الهوية، والأخيرة هي آخر ما يتم بناؤها في المجتمعات في مرحلة ما بعد الحرب».

وتحدث خضر دوماني (جامعة دهوك – كردستان)، عن تجربته مع الأقليات في العراق، محذراً من تراجع أعدادهم بعدما باتوا هدفاً في كل نزاع داخلي او خارجي، بحيث يغدو مصيرهم: الانزواء، الاختفاء، الهجرة ومن ثم الذوبان في المجتمعات المضيفة. وعرض الناشط المصري شريف عازر تجربة الأقباط في مصر، متحدثاً عن انحياز المواطن المصري إلى الإعلام الإلكتروني في بحثه عن المعلومة، ومؤكداً على «المواطنة الحاضنة للتنوع».

وأدارت الإعلامية ديانا مقلد الجلسة الثالثة، ومحورها «الإعلام والسلام والمرأة»، إذ استعرضت هناء إدوار (جمعية الأمل العراقية)، مشوار الناشطات الطويل لمنع تغيير قانون الأحول الشخصية، ولا سيما لجهة تزويج القاصرات، فكان أن أثمرت حملاتهن في الإعلام ومن خلال التوعية الاجتماعية.

وتحدثت وجدان بو عبدالله (صحافية تونسية)، كيف أن العام 2017 حمل لبلدها ثلاثة قرارات منصفة للمرأة، منها تجريم المتحرش والمساواة في الإرث بين الذكر والأنثى، والسماح للمرأة التونسية بالزواج من غير المسلم، وقد أحدثت القرارات ضجة في العالم العربي والإسلامي، إلا أن غير المتوقع بحسب وجدان أن المجتمع المدني وقف على الحياد في التطورات الأخيرة. وانتقدت حياة مرشاد (جمعية في - مايل)، الإعلام الغارق في قضايا أنثوية، بترويجه للجمال والأبراج والطبخ على قضايا نسوية جوهرية في الطريق نحو مجتمع معافى وسليم، مشيرة إلى الدور الرئيسي للمنظمات النسائية التي نجحت في انتزاع مكاسب وحقوق. وتحدثت عن اضطرارهن في كثير من الحملات إلى اللجوء للإعلام البديل.

وتحدثت راغدة غملوش (أبعاد) عن الخطوات التي لجأت اليها المؤسسة وصولاً إلى إلغاء المادة 522. وأضاءت دعاء دهيني (صحافية) على تعامل الإعلام مع الحقوق الأخيرة التي اكتسبتها المرأة السعودية.

وفي الجلسة الختامية، اقترح المؤتمرون أن تؤسس النقاشات لمنصة أو منتدى، بما يسمح للإعلاميين التواصل واكتساب الخبرات والتجارب الغنية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ولا سيما في الجانب الحقوقي الذي حصد الجزء الأكبر من الجلسات.