غَضِبَ وفد بقايا السلطة الأسدية إلى مؤتمر جنيف لأنّ المعارضة تحدّثت في بيان الرياض عن رحيل "الزمرة الأسدية" كشرط واجب لأي حل سوري.. ثم لأنّ نصر الحريري جدّد التمسّك بذلك الشرط في بداية المرحلة الانتقالية المفترض أن ينطلق البحث الجدّي فيها أخيراً في موازاة إتمام مراسم القضاء على الإرهاب الداعشي ميدانياً وجغرافياً وتنظيمياً..

والواقع أن الأسد "غاضب مبدئياً" وأساساً، لأنّه مُجبر على الذهاب إلى جنيف! وهو الذي كان وَعَدَ بالذهاب إلى إدلب والرقّة! وإكمال "تحرير" سوريا "حتى آخر شبر فيها" من الإرهابيين والتكفيريين! ولأنّه مع رعاته الإيرانيين، تعامل منذ بداية المشوار مع قصة "الحل السياسي" باعتبارها تقطيعاً للوقت بانتظار نضوج "مقوّمات" الحل العسكري على الأرض.. ولا شيء آخر.

في مطلع تشرين الثاني الجاري جاء علي أكبر ولايتي مستشار المرشد الإيراني إلى دمشق وأكد من مقر الأسد أنّ المعركة لتحرير إدلب "ستنطلق في غضون أيام".. ومثله فعلت بثينة شعبان! وقبلهما فعَلَ الرئيس السابق بنفسه!. لكن مرّت الأيام وحملت معها لبثينة ورَبْعها "الخبر اليقين" بأنّ صاحب القرار الأول في سوريا، أي فلاديمير بوتين يرى الأمور بطريقة مختلفة! ويعتبر أن لا "حل" عسكرياً ممكناً أو مُتاحاً. وإن العملية السياسية لا بدّ أن تنطلق استناداً إلى تراكمات جنيف والاتصالات الثنائية المباشرة مع الأميركيين وغيرهم في المنطقة! وكما استناداً إلى "المصالح الروسية العليا" الأكبر والأبعد مدى والأهم من "المحور الإيراني" وحساباته ومصالحه!

.. وبعد ذلك، يمكن ذلك المحور أن يضع أناشيده وأهازيجه الانتصارية في طنجرة ضغط ويضيف عليها بعض المياه، ثم يتركها على النار لتنضج تماماً وبعدها يستطيع أن يشرب منها قدر ما يشاء! وهو العطشان الدائم إلى طعم "الإنجازات" و"الإنتصارات" الإلهية والوضعية على حدّ سواء!

"جنيف – 8" ليس نهاية المطاف بل بدايته. ومساره لن يكون قصير الأجل بل طويلاً.. لكنه في ذاته يدلّ على تكسّر أوهام الحلّ العسكري، بقدر ما يدلّ على تكسّر أوهام الأسد بإعادة عقارب الزمن إلى ما قبل آذار 2011، وبقدر ما يكسّر أوهام إيران بالقدرة على فرض إرادتها الذاتية على واقع شديد التعقيد والتنوّع، بل بقدر ما يفتح الباب على فصل جديد أساسه تقزيم "نفوذها" بما يعنيه ذلك من "خروج" ميليشياتها و"عودة" السوريين إلى أرضهم!

والأنكى من ذلك، أنّ جنيف تنسف ما حاولت إيران وحواشيها وعاملها في دمشق أن ترسّخه وتظهره كحقيقة مفادها أنّ لا فرق بين عموم المعارضة والإرهاب! وإن هزيمة "داعش" تعني "إنتصاراً" لها ولـ"محور المقاومة"! وإن الأسد باقٍ ولو حتى على كومة حطام، في حين أنّ مَن طَالَبَ برحيله، رحل ولن يعود! والحق الحق يقال، إنه لو تُرِكَ جُلّ الأمر لإيران ومحورها "المقاوم" لحصل ذلك كله وأكثر منه..، لكن "قد خاب من إفترى"!

ثمّ الأمرُّ من ذلك، بالنسبة إلى إيران وحواشيها، هو أنّ المعارضة لا تزال "في مكانها" وتعود إلى أصل الموضوع وفصله وفيصله وترى أنّ لا حلّ فعليّاً وواقعياً وعملياً في "ظلّ" بقاء الأسد! وإن هناك في المنطقة والعالم من يشاطرها الرأي! وإن روسيا "تعرف" ذلك وتستمر في الدفع إلى جنيف.. برغم البديهة القائلة، بأنّ المعرفة لا تعني الموافقة العاجلة والتامّة، في كل حال!

لم يخطئ مَن افترض أنّ نهاية "داعش" ستعني بداية نهاية ما تبقى من سلطة الأسد، وفتح ملف "النفوذ" الإيراني الخارجي.. و"جنيف – 8" خطوة أولى على ذلك الطريق وليس خارجه!

علي نون