====== يقظان التقي

يعرض الفنان التشكيلي السوري سعد يكن أعماله الجديدة في «غاليري SV»، صيفي فيلدج، من 16 تشرين الثاني إلى التاسع والعشرين منه. عالم سعد يكن يعكس جزءاً من التحولات السياسية والاجتماعية والثقافية في سوريا، يتحول في معارضه الأخيرة «كونشرتو» و«الفراشة» إلى تجريب آخر غير درامي. يختار الفنان في معرضه الحالي فضاء الفراشةَ كمخلوقٍ شفيف مثير للبهجة، وطائر بعوالم الحسيّة والجمالية. فيقدم لحظة تفاؤل ما حتى في سياق الظروف والإحباطات الإنسانية والأخلاقية. لست الفراشات باعتبارها من جنس الحشرات المتعدَّدة الأنواع، الألوان والأشكال. إنما فراشات سعد يكن، تخرج هذه المرة من خلف الغبار والحروب والدمار. تخرج الفراشات من حطام الأمل في رسم الخطوط وصناعة الشكل والحركيٌة داخل البياض الذي يعطي تراصف الأشياء والخطوط هيئة إضافية. كأنها فراشات تأتي من فصول متعثرة، ومن دون فصول، وبربيع لم يأتِ، ومن دون ربيع. وعلى طريقة دوغاسبري في خلق فضاء من الفصل بين النور والظلام وما ينبت أرضاً وفراشات. سعد يكن ينطلق من صراعه النفسي الخاص به ويجمع الفراشات، مخلوقات من كتلة تحت ثقل الاستحالة التي تصنع بصيص الأمل، لا لتنتج ذواتها بل لتذهب إلى الآخر، من أجل صناعة اللون والمعنى والحرية والبهجة، خارج إطار الحرائق، ومدافن القلق. والفراشة هي شكل من أشكال النضال بالوحي والألوان، وحكايات الفراشات طويلة مثل إنسانية المرأة والأكثر تعبيراً، لجهة ما تتكبد المرأة في مجتمعها والمصاعب التي تمر بها. ثم هي لوحات راقصة حركية ذات مفهوم جمالي، في صورها مسرح للحياة لا للعدم. كأنها صدى لشفافية يكن في وجدانه، تجعله والفراشة والمدى واحداً، المدى في الرسم، والمدى كحالة نفسية ومشهدية بصرية ينتقل فيها من حالة، إلى حالة تشكيلية أخرى. قوة سعد يكن، تقوده إلى صدق المضمون ولوحاته ليست تزينيية وتزويقية، بل أسلوب تعبيري يمنح أشخاص اللوحة بريقاً ما، ضوءً ما يساعد على تغيير أحوالهم وحيواتهم. من أين جاءت كل هذه الفراشات؟ من خلف الغبار، من أعمال الهدم، من دخان الحرائق، من الخرائب، من كل ذلك السواد؟ تبدو الأمور كما الفكرة بسيطة، جاءت الفراشات من كل ما يمكن أن يصنع الحياة، من خلال رغبات داخلية بالوصول من السواد إلى لحظة نور، وضياء، وبهجة، ولو كانت لحظة فورية، في عالم يتشظى لحظوياً، وعالم صار مرئياً كفاية في آلامه وعذاباته وعزلاته، عالم يعاني من انسداد الحلول السياسية. اختار سعد يكن أن يرسم فراشات وقد قتلت كل عصافيره!، يحاول أن يمشي أو يطير في الهواء، الى آخر النفق، أن يصنع أملاً، مشهداً ضوئياً، فراشات سينمائية كتلك التي تحاكي محتويات فيلم رعب، في رغبة الخلاص الاجتماعي والوصول إلى حيز من الحرية ومن المفاهيم الإنسانية. المعرض من الزخم الذي يُعالج دقائق صفات المادة اللونية للولوج إلى المعاني. والفراشة عالم رؤيوي ببسيط كفكرة تؤدي إلى عالم واقع وعالم طبيعي، وعالم وجداني حتى البراءة القصوى، التي تمثل تلك الرغبات الخبيئة مع الفراشات المغمضة العينين داخلياً، وتبحث عن نقطة ضوء، أو بياض يحوم على كراسي فارغة في المقاهي وحيث أوراق الكتُب مبعثرة، متطايرة، تصعد في فضاء اللوحة، إلى الأعلى، إلى فضاء تتحول فيه فراشات بدورها. هل على الكاتب أن يبتهج في عزلته؟ أن يرمي كل أوراقه، أن يمسرح فراغاته، وعزلاته، وحيواته المتهادية ليصل إلى السماء، ولكن كفراشة بيضاء مع أن موت الفراشات هو الثابت؟ سعدي يكن يشتغل على تلك العناصر القليلة، الرسم بأدوات عادية ليكتمل الخبر البصري، ويعطي معرضه بعداً وجدانياً، يراوح في الشفافية ويختبر التجريد لتمثيل المدى. كأنها حالة صفاء قصوى وليس من يعكر أو يُعقّد بنيته بأسلوب السهل الممتنع في معرض مشغول بكل صفاء العين التشكيلية. سعد يكن (مواليد 1950، حلب). من جيل السبعينات الذين ساهم في نهضة الفن التشكيلي السوري، ودفعه باتجاه المعاصرة، عبر تحرير اللون والخط من قيود الفن الغربي، وخلق فن معاصر ابن بيئته الشرقية. في معرضه الحالي، يقدّم يكن مجموعة من الأعمال تتقاطع مع ايقاعات كونشرتو معرضه السابق منذ سنتين في بيروت. ميزتهما أسلوبه التعبيري، المستند إلى مشاعره وأحاسيسه والركيزة هي البحث عن اللطيف في معنى الحياة، وبالتالي ترى الفراشات على صلة وثيقة بجسد المرأة وبكل ما يبتعد عن الجحيم التي تعيشه سوريا اليوم. وهو ما يتقنه يكن جيداً، فيبتعد عن التصوير المباشر، باتجاه الإيحاء الأكثر بلاغة وتأثيراً، ويستمر في محاولة إمحاء وجوهه، التي تحمل في ملامحها شيئاً من المأساة، وتتماهى مع ايقاعات مختلفة كأداة تعبير.. كأنها فراشات خرجت للتو من أتون الاحتباس الحراري في مكان ما ابتلى بالحروب. يُذكر أنّ التشكيلي السوري (1950) مقيم في بيروت منذ عامين، بعدما تعرّض للاختطاف أكثر من مرّة، في مدينته حلب، على أيدي مجموعات مسلحة، نجا منها بأعجوبة. ولطالما جسّد في فنه التشكيلي مسرحاً للقلق، وحقلاً من حقول الدراماتيكية البصرية. يدرك متابعو سيرة الفنان سعد يكن عبر السنوات الفائتة، عمق المآسي التي يبني بها أعماله. فكلّ لوحةٍ تعبّر عن مجموعة مخلوقات متشابهة متنافرة، وكلّ مخلوقٍ يمثّل مدينة بتاريخه، طبيعته وطقوسه. الفراشات في سهرة الموت تشكل أيضاً المدينة المفتوحة على الزمن بلا حدود، ذلك الذي يجاور السوريالية التخيّلية لديه. والطرب الحلبي المسفوح بين طبقاته اللونية سراً، مثل الفراشات الباردة. لا تبحث عن نار، لتنتحر وتخبو رماداً، بقدر ما هي مدخل لشفافيةٍ تحاول استثمار دراما شخوص اللوحات الهائمة في طقوسها المختلفة، وما يتقدم على الألم، عندما يحاول تغطيته بأجنحته الملونة، والسعادةً الخجولة. من هنا تأتي فراشاتُ سعد يكن أدوات تعبير تستهدف كل ما هو متوحش. فراشات تتجاوز خطوط النار إلى ما هو أبعد من الحريق إلى ثقافة الحياة.