لم يكن مؤتمر التجديد التربوي السادس لـ«مؤسسة رفيق الحريري»، والذي حمل عنوان «ثقافة الاستدامة: إطار لاستراتيجية تربوية بعيدة المدى»، إلا مكمّلاً للدعوات لجعل التنمية المستدامة بأهدافها السبعة عشر محققاً بحلول العام 2030 وذلك انطلاقاً من ضرورة جعل الاستدامة لثقافة عميقة في صفوف الشباب باعتبارهم الفاعلين الحقيقيين في إحداث التغيير المنشود.
جاء المؤتمر، الذي أقيم برعاية رئيسة المؤسسة السيدة نازك رفيق الحريري ممثلة بالسيدة هدى طبارة، وبالتعاون مع «الشبكة الوطنية للميثاق العالمي في لبنان»، ليبلّور رؤية المؤسسة بضرورة استخدام التربية كركيزة لهندسة عقول الناشئة وتطوير قدراتهم، لتكون الرافعة في جعل الاستدامة تتأصل كثقافة عميقة، من خلال مقاربتها لقيام بنية معرفية ومهارات متنوعة وتطوير المجتمعات.
خلص المؤتمر إلى «أن التنمية المستدامة مقاربة شاملة وتشمل جهات فاعلة مختلفة من أفراد ومؤسسات ومنظمات ومجتمع مدني لوضع خطط عمل وتحديد الأولويات»، مع التأكيد على أن «تحقيق التنمية المستدامة يستوجب تعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص، العمل على الأولويات وإيجاد الحلول والابتكارات المتكاملة والشاملة، التركيز على التعليم كأساس للابتكار وتعزيز ثقافة الاستدامة من خلال التعليم».
وأوصى المؤتمربضرورة «تطوير التعليم الجيد والبرامج والمهارات وريادة الأعمال، والوصول المستدام إلى المعرفة والمهارات، والعقل النقدي، ضمان التمويل المستدام لتطبيق وتنفيذ مبادرات محلية، وجعل المعلومات والمعرفة في متناول الجميع وبأسعار معقولة»، مع التشديد على «أن التنمية المستدامة عملية طويلة الأمد تستوجب التغيير في استخدام مواردنا وتغيير سلوكنا وينبغي أن تقوم على شراكات قوية وفعالة وإقامة شبكات تبادل المعرفة والمعلومات».
وكان المؤتمر قد افتتح في قاعة المعماري في كلية سليمان العليان لإدارة الأعمال في الجامعة الأميركية - بيروت، في حضور الوزير السابق حسن منيمنة ممثلاً رئيس مجلس الوزراء سعد الحريري، الرئيس فؤاد السنيورة وتربويين.
بعد ترحيب من ثريا عواد، نقلت المديرة العامة للمؤسسة سلوى السنيورة بعاصيري «تحيات رئيسة المؤسسة السيدة نازك رفيق الحريري التي ترى في التعاون والجامعة لعقد المؤتمر تعزيزاً لما درج عليه الرئيس الشهيد رفيق الحريري من رعاية لمبادئ التكامل وتضافر القوى ومن تحفيز لحشد الجهود، سيما في إطار مؤسسات تعنى بالفكر والعلم والإبداع سبيلاً لبناء مجتمعات المعرفة ونهجاً لتحقيق التنمية الإنسانية بشكل مستدام»، شاكرة الجامعة والشبكة على التعاون.
وقالت: «لا يأتِ تعبير الإستدامة في هذا السياق ليحمل مفهوماً مراوغاً يصعب الإتفاق حوله، بل هو معطى يقوم على التداخل بين الأمس واليوم والغد، ليس بالبعد الزمني فقط، بل من منظور البناء على جهود فاعلة سبقت، وأخرى جدية قائمة، وذلك بغية استكمال مسار واضح المعالم والاتجاه، وانطلاقاً من هذه المقاربة نفهم الاستدامة على انها حق أبناء الغد وما بعده في أن يخدم ما يُصنع اليوم من قرارات مصيرية، تطال الكوكب الذي تتعاقب الأجيال على العيش بفيئه، في صون ذلك الكوكب معافى وصالحاً لاستمرار العيش فيه. وحق أبناء الغد وما بعده بالتمتع بمعارف الأمس وتراثه واكتشافات اليوم وانجازاته ليضيفوا إليها ابداعاتهم وابتكاراتهم. كما حقهم باستكمال الجهود لايجاد حلول للمشاكل الإنسانية بكل مكوناتها وتحولاتها، صوناً للسلم الأهلي ودعماً للسلام العالمي عبر بناء جسور التقارب بين الجماعات والشعوب».
واعتبرت السنيورة بعاصيري «أن مفهوماً كهذا للإستدامة هو ما تبني أجندة التنمية المستدامة للعام 2030 عليه من أهداف، وما تتخذه من مقاصد وغايات بغية تحقيقها لصالح البشرية جمعاء ومن دون استثناء».
وأضافت: «صوناً لاستدامة البعد الانساني في أدائنا البشري لا بد من دعوة التربية إلى جعل علاقة الفرد بالتقانة علاقة تساؤل واستفسار لاتبعية وانقياد، وأن تعزز دورها المعهود بدور إضافي مأمول يقوم على صياغة سردية وطنية جامعة تؤسس للسلام الدائم وقيمه وتروج لمحورية التنوع الثقافي واحترام الاختلاف وتمتين العلاقات الانسانية، وكذلك إثارة الوعي لجهة الحفاظ على التنوع البيولوجي صنواً للتنوع الثقافي وذلك عبر الترويج لمناصرة البيئة في شتى الأنشطة البشرية»، مشيرة إلى «أننا نلتقي في إطار مؤتمر تربوي لأننا ندرك أن للتربية ما تقوله في وقت الأزمات والتحديات، وعليها ما تقوم به في زمن التحولات والتبدلات، فهي أولاً وقبل كل شيء مؤتمنة على تنشئة جيل قادر على قيادة المستقبل ليس بأدوات اليوم بل بمبتكرات الغد».
بعد ذلك، كانت مداخلة لنائب الأمين التنفيذي للجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا (الإسكوا) خولة مطر لفتت فيها إلى أن «الأسكوا» هي الجهة الأكثر مسؤولية لتحقيق أهداف التنمية، مشددة على «أن التربية أساس في تحقيق أهداف التنمية إذ لا يمكن محاربة الفقر ومواجهة البطالة من دون تنمية التعليم والنظر إلى المناجم التربوية».
وأوضحت مطر«أن تحديات المنطقة العربية والنزاعات والحروب تجعل الكثير من الأطفال خارج إطار التعليم ما يستوجب وضع استراتيجية تربوية ومعالجة جذور تلك الأزمات من أجل الوصول إلى الاستدامة انطلاقاً من أن بناء الانسان هو بناء للدولة والوطن».
بعد ذلك، عقدت 4 جلسات، تناولت الأولى ثقافة الاستدامة والاستثمار في تطوير الموارد البشرية أدارها مدير كرسي التربية على المواطنة البيئية في «جامعة القديس يوسف» فادي الحاج وتحدث فيها وكيل «جامعة الروح القدس – الكسليك» جورج يحشوشي والمستشار التربوي رمزي سلامة، ورئيسة قسم الابتكار في «الإسكوا» نبال الإدلبي.
وتمحورت الجلسة الثانية حول ثقافة الاستدامة وتمتين العلاقات الانسانية وأدارتها مساعدة العميد للبحوث في الجامعة الأميركية ديما جمالي، وتحدث فيها رئيس «جامعة رفيق الحريري» أحمد صميلي، نائب الرئيس المساعد للإنماء في الشرق الأوسط وأوروبا في «الجامعة اللبنانية الأميركية» نسيب نصر والأستاذ في «جامعة البلمند» الأب انطوان ملكي.
وتطرقت الجلسة الثالثة إلى ثقافة الاستدامة ومناصرة البيئة وأدارها مدير وحدة البيئة والتنمية المستدامة في الجامعة الأميركية شادي حمادة وتحدث فيها المستشار البيئي فيصل أبو عز الدين ورئيس مجلس إدارة المركز اللبناني لحفظ الطاقة بيار خوري ومساعد عميد كلية إدارة الأعمال في جامعة بيروت العربية عبدالله ناصر الدين، فيما تم تخصيص الجلسة الرابعة لإعلان توصيات المشاركين في المؤتمر وأدارتها الأستاذة المساعدة في كلية الزراعة والطب البيطري في قسم الاقتصاد والتنمية في الجامعة اللبنانية سلوى طعمة طوق.